استطلاع/ عبدالرحمن الشيباني - وأنت تسير في وسط صنعاء تتراءى أمامك عبارات أنيقة تزيّن أبواب محلات بيع الملابس، وتشير إلى عروضات مغرية بألوان وأشكال متعدّدة للثياب، وتقول إن الأسعار فيها منخفضة؛ وما تلبث الدخول إليها حتى تتفاجأ بالفخ، فما هو خارج غير ما هو بالداخل.. في الجانب الآخر ترتفع أصوات الباعة المتجوّلين على عرباتهم أو بَسَطَاتهم تدعوك لشراء بضاعتهم المعروضة.. في هذا الوضع الصعب يُفضّل اليمنيون اقتناء الملابس من هذه البَسَطات والعَربات المنتشرة على جوانب الطرق والأسواق الشعبية، نظراً لانخفاض أسعارها نوعاً ما مقارنةً بالمحلات..
يبدو المشهد مألوفاً هذه الأيام مع قُرب عيد الفطر المبارك، وتَهافُت الناس إلى شراء حاجيات العيد من ملابس وحلويات (الجعالة).. لكن الصدمة هنا تكمن في عدم مقدرة المواطنين -الذين أبدوا تذمُّرهم وحزنهم- على إسعاد فلذات أكبادهم نتيجةً لغلاء أسعار الملابس..
وفي لقاء مع عدد من الأمهات في محلات الملابس، عبَّرنَ عن تذمُّرهن من موجة الغلاء.. تقف فاطمة الحيمي مع أطفالها الأربعة حائرةً وسط سوق الخيمة بشارع هائل أمام أسعار الملابس بسبب القدرة المالية الضعيفة أمام سطوة الأسعار ولهيبها، ويزداد الأمر صعوبةً أمام أذواق واختيارات الأبناء المتعدّدة في اقتناء الملابس.. تقول فاطمة الحيمي لـ"الميثاق": إن هذه السوق هي ملاذُ المعدومين نظراً لأن الأسعار فيها تقريباً تكون معقولة، لذلك تجذب الكثير من الأسر.. ومع ذلك أسعارها تتفاوت أيضاً ولا تستطيع شراء كل شيء إلا الضروري، وحتى هذا أيضاً صعب قليلاً..
وضع سيئ !!
مرام قحطان - موظفة بالقطاع الخاص - تشارك زميلتها تذمُّرها من أسعار الملابس المهولة، وتصف الأمر بالصعب جداً.. وتقول إنها تتجول منذ 3 ساعات دون أن تجد ملابس بأسعار معقولة وإنْ وُجِدت فهي غالية.. وتضيف: لا نستطيع الدخول للمعارض والمحلات لأن أسعارها جنونية وإنْ كانت في بعض الأحيان توفّر للمشتري ملابس ذات جودة عالية، لكن الوضع المالي متدهور جداً بالنسبة لنا.. وترى مرام أن الاكتفاء بالملابس العادية هو الحل الصحيح -طبعاً مع التنازل عن أشياء أخرى- مع الاحتفاظ بها للعيد القادم، حيث تلجأ معظم الأسر اليمنية لهذه الطريقة لتفادي متطلبات جديدة في عيد الأضحي، الذي يجعل المواطن في حِيرة من أمره.. بصراحة لا أحد يأبه بالمواطن ولا يُقدّم له شيئاً سوى المزيد من الأعباء..
أشياء ضرورية
بدوره، يقول نائف حميد (موظف): إن الوضع المعيشي أصبح مُزْرِياً للغاية، ولا يستطيع الموظفون شراء الحاجات الضرورية لأُسَرهم، ناهيك عن ملابس العيد التي تزداد أسعارها بشكل مخيف.. ويشير الرجل الخمسيني إلى قطع ملابس صغيرة بحوزته، قائلاً: هذه اشتريناها بـ 12 ألف ريال.. لقد أصبحنا بين هَمَّين.. بين توفير المقوّمات المعيشية لأسرتي المكونة من 6 أفراد، وبين متطلَّبات لا تنتهي.. وشكا حميد من انقطاع المساعدات التي كانت تقدّمها المنظمات الإغاثية العالمية، ما أثَّر سَلباً على وضعه المعيشي..
ويختتم حديثه قائلاً: أريد فقط تأمين أولادي من حيث التعليم والتغذية والصحة، أما الملابس فيمكن إيجاد حلول لها..
ارتفاع كبير !!
بدورها أم راوح المشولي تقول: إن أسعار الملابس وغيرها مرتفعة مدلّلةً بحِذاءٍ اشترته، ثمنه 5000 ريال، ولكن في الأيام العادية لا يتجاوز سعره الـ 3000؛ وكذلك بقية الملابس.. وتلفت أم راوح إلى أن ملابس البنات جنوني مقارنةً بالأولاد.. فمستلزمات الفستان من حقيبة وأقراط وجوارب يكلّف الكثير.. وإذا كان لديك 7 أولاد فكيف سيكون الأمر، بالتأكيد صعب جداً.. نحن نعمل بقدر الإمكان من أجل إسعاد أطفالنا بهذه الملابس لأن عدم ارتداء ملابس جديدة يرتد عكسياً على نفسياتهم؛ والإحباط شيء مخيف ومقلق بأن ترى طفلاً أو طفلةً دون ملابس جديدة في العيد.. فما بالك عندما يكون ابنك أو ابنتك..
صرف الرواتب
نائل الجبزي، دعا الحكومة إلى النظر في صرف الرواتب بانتظام وكاملة، من أجل الخروج من الأوضاع الاقتصادية الصعبة التي يعيشها الناس.. واستدرك قائلاً: حتى وإنْ صُرفت الرواتب تبقى الحالة كما هي نظرًا لعدم وجود زيادة في الأجور، في الوقت الذي تشتعل الأسعار ويتكبد المواطن مرارة المعاناة.. وشدَّد الجبزي على ضرورة وضْع الحكومة حَداً لهذا الحال الذي وصل إليه الناس..
متسائلاً: من أين للناس شراء الملابس لأولادهم.. وأيّ وجع يشعرون به عندما يرون أبناءهم بدون كسوة عيد..؟!
وأضاف: أعرف بعض الأسر تضطر لبيع ذهب أو أشياء ثمينة أو الاستدانة من قريب لهم، بل هناك مَنْ يلجأ للشراء من محلات الملابس المستعمَلة.. أين المنظمات والجمعيات الخيرية للتدخُّل ومساعدة الناس في هذا الشأن؟!..
انتظار وتَرقُّب!!
بعض المواطنين يُفضّلون الـتَرَيُّث على أمل انخفاض الأسعار في آخر الشهر الفضيل، بينما يلجأ آخرون إلى شراء ملابس الأطفال من الأسواق الشعبية.. من جانبهم، يُرجِع أصحاب محلات الملابس الزيادة في الأسعار إلى قِلة الواردات وارتفاع الجمارك على البضائع المستورَدة، بالإضافة إلى تكرار الجمارك، ما انعكس على قيمة الملابس بالنسبة للمستهـلِـكين..
لم يعد الناس يمتلكون حماساً كبيراً -كما كان في السابق- في شراء الملابس إلا القليل منهم، فالحياة لم تترك لهم خَياراً في أن يُبْدوا آراءهم فيما يحبون أو يكرهون منها.. يأتي ذلك ولسان حاله يقول "عِيدٌ بأيّ حالٍ عُدْتَ يا عِيدُ".
|