الميثاق نت -

الإثنين, 09-مارس-2026
استطلاع/ عبدالرحمن الشيباني -
لشهر رمضان طقوس خاصة حيث تتحرك الأحاسيس، وتهفو القلوب والأفئدة لقدومه، ويعيش المسلمون أيامه لذة العبادات في بيوت عامرة بذكر الله وطلب رضاه.. رمضان يأتي بتوقيت واحد تقريباً يستقبله المسلمون في مشارق الأرض ومغاربها، لكنه يختلف في طريقة استقباله نوعاً ما، وتتغير من بلد لآخر فهناك ممارسات اجتماعية في طريقة الاحتفاء به والطقوس الخاصة بحسب طبيعة المجتمع وثقافته، لكن غالباً تكون هذه العادات واحدة في البلدان العربية والإسلامية حيث يتجسد مبدأ التكافل الاجتماعي من خلال تبادل الأطعمة والزيارات وتكتض المساجد بالمُصلين، وهي عادات تنسجم غالبًا مع روح رمضان وفضائله ..


الدكتورة كفاح إبراهيم، تقول إن شهر رمضان في فلسطين يُعد مناسبة دينية واجتماعية كبرى، تمتزج فيها الروحانية بالعادات الشعبية المتوارثة، حيث يتحول الشهر الفضيل إلى حالة جماعية يعيشها المجتمع بكل فئاته، فتظهر ملامح خاصة تعبّر عن الهوية الثقافية الفلسطينية وروح التكافل الاجتماعي..
وتؤكد إبراهيم أن الاستعدادات المسبقة للشهر تبدأ بتنظيف البيوت وتزيينها قبل حلول رمضان بأيام، تبدأ الأسر الفلسطينية بتنظيف البيوت وترتيبها، في صورة تعبّر عن استقبال الشهر بقلوب وبيوت نقية، كما تُعلّق الزينة والفوانيس في الشرفات والأزقة، خاصةً في مدن مثل القدس وغزة ونابلس، حيث تتزين الشوارع بالأضواء واللافتات الترحيبية..
وتبدأ الأسر الفلسطينية
التسوُّق الرمضاني..
تزدحم الأسواق الشعبية قبيل رمضان، مثل أسواق البلدة القديمة في الخليل، لشراء التمور والمكسَّرات والمواد الغذائية الأساسية.. وعن الأطباق المقدمة في رمضان تحرص العائلات على تجهيز مستلزمات إعداد أطباق رمضانية تقليدية مثل: المسخن المقلوبة القطايف الكنافة النابلسية..
وأضافت: بالنسبة للمظاهر الدينية يترقب الناس إعلان ثبوت هلال رمضان، ويُعلَن رسميًا عبر دار الإفتاء ووسائل الإعلام المحلية.. ومع الإعلان، تتبادل العائلات التهاني بعبارات مثل: "رمضان كريم" و"مبارك عليكم الشهر"..
وتمتلئ المساجد بالمصلين من مختلف الأعمار، وتزداد الأجواء روحانية خاصةً في المسجد الأقصى المبارك في القدس، حيث يفد آلاف المصلين من مختلف المناطق لأداء الصلاة فيه..


عادات وتقاليد


وبالنسبة للمظاهر الاجتماعية من العادات القديمة التي لا تزال حاضرة في بعض المناطق إطلاق مدفع الإفطار إعلانًا لموعد المغرب، وهو تقليد تراثي يعزّز روح الجماعة.. تنتشر موائد الإفطار الجماعي في الساحات وأمام المساجد، وتُقام موائد الرحمن لإطعام المحتاجين وأبناء السبيل.. وتلفت إبراهيم إلى أن ذلك يعكس قيمة التكافل الاجتماعي المتجذّرة في المجتمع الفلسطيني. كما تحرص العائلات على تبادل أطباق الطعام بين الجيران، وهي عادة اجتماعية تعزّز العلاقات وتوطّد أواصر المحبة.. ويجوب المسحراتي الأحياء قبل الفجر وهو يقرع طبله مردّدًا الأناشيد التقليدية لإيقاظ الناس للسحور، وهي عادة لا تزال حاضرة في الأحياء الشعبية..


الطابع الشعبي


بعد الإفطار، تنشط الحركة في الأسواق والمقاهي الشعبية، وتُقام فعاليات ثقافية وأناشيد دينية ومسابقات للأطفال..
يكتسب رمضان في القدس طابعًا مميَّزًا، حيث تمتلئ ساحات المسجد الأقصى بالمصلين، وتنتشر مظاهر الفرح في البلدة القديمة، رغم التحدّيات السياسية، في مشهد يعكس التمسُّك بالهوية والروح الإيمانية..


تواصل إجتماعي

الأستاذة/ رهف زهر الدين تقول: في هذا الصدد لا يختلف شهر رمضان في الأردن عن بقية البلاد العربية من حيث استقباله؛ ونبدأ أولاً بالمطبخ الاردني في رمضان، فهناك ما مأكولات أساسية يحبها الأردنيون باختلافها، مثل المنسف الأردني، المقلوبة، الكفتة، القطايف (حلو رمضاني تقليدي)، العصائر الطبيعية مثل قمر الدين والتمر هندي واللبن الطازج مع الفطور شيء روعة يتم تناوله مع التمر أو مع الأكل..
وتضيف زهر الدين: طبعاً في رمضان، العبادة تكون جزءاً كبيراً من حياة الناس.. ومن العبادات الشائعة الصيام من الفجر حتى المغرب، الصلاة في المساجد، خاصةً صلاة التراويح؛ وقراءة القرآن، الدعاء والاستغفار، إخراج الزكاة والصدقات.. شهر رمضان هو فرصة للتجمُّع والتواصل الاجتماعي.. ومن العادات الشائعة تجمع العيلة للفطور..


قلب العالم


تتعدد صور الحفاوة برمضان في المناطق السعودية، كما يقول أحمد أبو زيد؛ فالطقوس الرمضانية السعودية وخاصةً في مكة والمدينة تختلف عن بقية المناطق، إذ تقوم الجهات الرسمية بتوزيع وجبات الإفطار داخل الحرمين التي تحتوي على التمر والحليب والعصائر والوجبات المغلفة على الصائمين، إلى جانب موائد الرحمن.. ففي مكة المكرمة قلب العالم الإسلام وقبلته، والتي تهفو قلوب ملايين المسلمين إلى زيارتها والطواف بكعبتها الغرَّاء، يقدم لنا ابن جبير الأندلسي صورة تراثية خاصة للحفاوة بشهر رمضان في هذا البلد الحرام، وذلك عندما عاش أيامه ولياليه الرمضانية بالمدينة المقدسة عام 579هـ، وسجل ذلك في رحلته المشهورة التي جاءت تحت عنوان: "اعتبار الناسك في ذكر الآثار الكريمة والمناسك".. كما درج أهل المدينة المنورة على استقبال شهر رمضان منذ منتصف شعبان بعادات سائدة منذ القِدَم، فأصبحت شيئاً مألوفاً ومأنوساً لهم، ومن ذلك ليلة منتصف شعبان..


حدث ديني


أما في دول المغرب العربي وكيفية استقبال رمضان هناك يقول الأستاذ محمد المنوني: الحياة الرمضانية بالمغرب وصفها رحالة أجنبي بقوله: إن رمضان لم يكن في فاس وفي غيرها من أجزاء المغرب العربي حدثاً دينياً جليلاً فحسب، بل كان حدثاً اجتماعياً، فقد كانت المدينة تغيّر نمط الحياة فيها مدة شهر كامل من السنة.. وفي تونس يستقبل أهلها شهر رمضان قبل قدومه بأيام عِدة، وتنتشر موائد الرحمن، ويتبارى الجميع في تقديم المساعدات إلى الأسر الفقيرة، وفي تنظيم قوافل خيرية وهدايا في الشوارع والأحياء، وتشهد المساجد العريقة مثل جامع عقبة بن نافع في القيروان وجامع الزيتونة الصلوات والاحتفالات الدينية..


موائد عامرة


الجزائر فرض التنوُّع الاجتماعي نمطاً احتفالياً في الشهر الكريم، حيث تعمد الأسر إلى طلاء منازلها، وتتسابق المرأة الجزائرية في تحضير المؤن من التوابل واللحوم، وتشهد حمامات المدن الجزائرية إقبالاً في أواخر شهر شعبان.. وعن المائدة الرمضانية في الجزائر يقول المنوني: بالنسبة للمائدة الجزائرية تلتف العائلات حول مائدة الإفطار والسحور، وتتفنن ربات البيوت في إعداد المأكولات التي تتزين بها مائدة الإفطار، وأكثرها أكلات متشابهة بين بلدان المغرب، مثل طبق البربوشة (الكسكسي بدون المرق)، والخشخوشة (الثريد المخلوط مع المرق واللحم)، والرشتة (الخبز المخبوز في البيوت ثم يقطع قطعاً رقيقة ومعه المرق)، والطاجين (مكوَّن من البرقوق المجفف أو الزبيب مع اللوز ولحم الغنم أو الدجاج ويضاف له قليل من السكر).. وتتبادل العائلات المأكولات في ظاهرة اجتماعية تعبّر عن الترابط الاجتماعي والتآزر.. ومن الحلويات الجزائرية قلب اللوز والزلابية والقطائف والمحنشة..
وأخيراً عن ليبيا، يقول المنوني: إن الليبيين اعتادوا على الخروج إلى الميادين العامة والجلسات المسائية في المقاهي للاستمتاع بأوقاتهم، ولا تزال الحركة التجارية تعاني الكساد في غالب المدن الليبية، وبالنسبة للموائد الليبية فهي على النمط المغاربي عموماً، مع تداخل جزئي بالمطبخ العربي المشرقي..


احترام وتوقير


لرمضان رمزية خاصة لدى أهل العراق.. بهذه العبارة تبدأ الأستاذة نجلاء عادل حامد حديثها قائلةً: هناك احترام كبير لشهر رمضان في العراق، حيث يتهيأ العراقيون لمَقْدَمِه قبل مدة طويلة، حيث تتأكد ربة المنزل من توافر المواد الغذائية الخاصة به، مثل الرز والسمن والشاي والقهوة ونوم البصرة والقيسي والتين اليابس واللوم وماء الورد والهيل والعطورات الأخرى، فضلاً عما هو متوافر لديها من المؤونة السنوية من البرغل والعدس والطحين، وهناك حلو التمر والزبيب وشراب التمر الهندي.. وعن الترحاب برمضان وأجوائه وطقوسه تقول حامد: للترحاب بشهر رمضان عند قدومه طقوس خاصة حيث يجتمعون في المساجد وصحونها بعد صلاة المغرب، ويردد الجميع:

مرحباً مرحباً يا رمضان يا شهر التراويح وعليك السلام

مرحباً مرحباً يا رمضان يا شهر الغفران وعليك السلام

ومن الشائع في رمضان رؤية التجار في متاجرهم يتلون القرآن ويوزّعون الخيرات على الفقراء.. وتختم حامد بالقول: أما عن الحمامات فإنها تعمل بنشاط ليل نهار لخدمة الصائمين، ويلاحَظ أن الأسواق التجارية الموصلية، قبل نكبتها الأخيرة وتدمير نصف المدينة، تعمل ليلاً حتى الفجر في الأسبوع الأخير من رمضان، وخاصةً مِهَن الخياطين والحلَّاقين وصانعي الأحذية، ولا تنتهي تلك الحركة حتى حلول عيد الفطر المبارك.
تمت طباعة الخبر في: السبت, 31-أكتوبر-2026 الساعة: 04:08 ص
يمكنك الوصول إلى الصفحة الأصلية عبر الرابط: http://www.almethaq.net/news/news-68589.htm