فيصل بن أمين أبو راس - لم يكن الشيخ زيد أبو علي ـ رحمه الله ـ اسمًا عابرًا في سِجِل الحياة العامة، ولا حضورًا طارئًا في المشهد الوطني، بل كان قامةً برلمانيةً وشخصية قبليةً جامعة، ورمزًا من رموز الحكمة والسعي الصادق لانتقال القبيلة من ضيق العصبية إلى أفق الدولة، إيمانًا منه بأن لا قبيلة وطنية بلا دولة عادلة، ودستور يحتكم إليه الجميع، ويظلون تحته سواء..
كان رحيله المفاجئ صدمةً عميقةً لكل مَنْ عرفه أو اقترب من سِيرته، وقد عبَّر عن ذلك المشهد المهيب الذي شهدته العاصمة صنعاء ومحيطها، حيث خرجت حشودٌ غير مسبوقة، قُدّرت بمئات الآلاف، لتشييعه في وداعٍ مهيب امتد من العاصمة إلى مسقط رأسه، في لحظة وطنية صادقة اختلط فيها الحزن بالاحترام، والأسى بالدموع، والمحبة بالوفاء.. مشهد لم تعرفه صنعاء من فترة طويلة، إلا في وداع الكبار..
صديقي العزيز الشيخ زيد أبو علي، كان من الكبار.. ومَنْ ذا الذي لم يسمع به أو يعرفه؟.. كان ذائع الصيت بأعماله الجليلة، وعلاقاته الواسعة، ومواقفه النبيلة، وشهامته التي لا تُشترى، وكرمه الإنساني قبل المادي، وحضوره الذي يسبق اسمه أينما حل..
عرفتُه عن قُرب قبل فترة قصيرة من تزاملنا تحت قبة مجلس النواب، ممثلين عن الشعب.. ورغم قصر تلك الفترة، فقد كانت كاشفة لعمق شخصيته ونُبل معدنه- ترسخت بعد المجلس حتى رحيله الصادم.. كانت تلك دورتي البرلمانية الأولى، وقد أتيتُ إلى العمل التشريعي من خلفية دبلوماسية وعلاقات دولية، حيث تختلف الأدوات، وتتنوع المحرّكات، وتتباين طبيعة الحسابات.. أما الشيخ زيد، فقد خبر العمل البرلماني عبر أكثر من دورة، وتعاطى الشان الداخلى وكان مُلمًّا بتفاصيله وتعقيداته، من تسويات وتوازنات ومحاصصات تُدار في كثير من الأحيان بعيدًا عن أعين النواب..
عندما تقدمتُ باستقالتي من مجلس النواب بعد سنتين ونصف (من أبريل 2003 إلى سبتمبر 2005م)، وهي استقالة مبررة ومعلَنة الأسباب، ورغم رفْض المجلس لها، تمسكتُ بها، خاصةً بعد رفْض رئاسة المجلس تشكيل لجنة خاصة لمناقشة أسبابها والخروج بتوصيات تُعرَض على المجلس للتصويت بحضور الحكومة وإلزامها بالمعالجات اللازمة.. وهو ما لم يحدث.. وبدلًا من ذلك، أُحِيل الملف إلى نائب رئيس الجمهورية لدراسته ورفْع مقترح بشأنه لرئاسة الجمهورية، في محاولة سحب الاستقالة من التداول داخل المجلس تفاديًا للإحراج والمناكفات والاستهلاك السياسي لها وتصفية الحسابات بين قوى النفوذ..
في تلك المرحلة، كان الشيخ زيد ـ رحمه الله ـ من أوائل من زارني.. جاء وهو مثقل بهموم المجلس، وأوضاع الحزب الذي ينتمي وأنتمي إليه على أسس صحيحة تجمع ولا تفرّق، وتُغلّب كفة مصلحة الوطن على سواها.. ناقشنا مطولًا التحدّيات التي تواجه العمل التشريعي، وسرد لي من تجاربه، وأقنعني بأن أي إصلاح ـ مهما بدا محدودًا ـ يمكن قياسه والبناء عليه، فهو مكسب حقيقي.. وكِدتُ أن أعود عن الاستقالة لو شُكّلت تلك اللجنة، ولم يتمكن وغيره من إقناع رئاسة المجلس باللجنة حفاظًا على ماء الوجه، واحترامًا لإرادة مَنْ أوصلونا إلى البرلمان لنمثّلهم وننوب عنهم.. كان القرار من خارج المجلس..
أما في الجانب القبلي، فلم أشارك في موقف قبلي جامع لحل إشكال، أو دعوة للصلح والإخاء، إلا وكان الشيخ زيد حاضرًا، فاعلًا، مؤثّرًا، ومتوازنًا.. وحتى تلك المواقف التي لم أشهدها شخصيًا، كنت أسمع اسمه يتقدم الصفوف كعادته.. كان يتقدم بقبائله في الأفراح، ويحضر بقوة في الأتراح، حضورًا لافتًا يترك أثره قبل كلمته.. وذلك الحشد غير المسبوق في وداعه خير دليل على المحبة الصادقة والمكانة الرفيعة التي حظي بها في قلوب الناس..
وبحكم معرفته العميقة بالشخصيات التي أسست تكـتُّلات وتجمُّعات تحت مسميات قبلية، كان الشيخ زيد ناصحًا أمينًا لي شخصيًا، محذّرًا من المستثمرين في التكـتُّلات لأهداف خاصة، ومع مرور الوقت تأكد لي صحة ما ذهب إليه.. رحمة الله تغشاه..
برحيل الشيخ زيد أبو علي، فقد اليمن واحدًا من رجالاتها الذين جمعوا بين الحكمة القبلية والمسؤولية الوطنية، وبين الانتماء الاجتماعي والالتزام الدستوري.. وسيظل حضوره، وسِيرته، ومواقفه، شاهدًا على أن الرجال الكبار لا يرحلون، بل يتحولون إلى ذاكرة وطن، ودروس لا تنضب.
|