الميثاق نت -

الإثنين, 09-فبراير-2026
بقلم/ عبدالله البردوني -
كان الرعيل الأول من المثقفين اليمنيين المعاصرين يمثلون خاتمة القدماء وطليعة المحدثين، لأنهم أحاطوا بعلوم الفقه واللغة وألموا بالآداب القديمة وشموا روائح المعاصرة ودخلوا في أطرافها..
فكان في رداء القاضي الشرعي الشاعر والمؤرخ، وكان تحت رداء الفقيه الفلكي والمتفلسف أو الميول إلى الفلسفة..
وكان أولئك الرجال من ضربين: منهم من أحاط بالقديم وصعب عليه فهم الثقافة المعاصرة، حتى لو كانت عن قديم، فقد كان أحمد الكحلاني، وهو من أوائل شيوخ دار العلوم يستغمض كتابات طه حسين ومحمد كُرْدْ علي، ولا يكاد يفقه ماذا يقول هؤلاء المعاصرون، حتى ولو كانت كتاباتهم عن أمرئ القيس وقيس بن المُلوّح، وكان للكحلاني أمثال من الذين وقفوا على باب العصر ملفوتين إلى العصور الأولى فظل أمثال هؤلاء خاتمة القديم..
وكان إلى جانب هذا الضرب صفٌ من العلماء الذين يحذقون اللغة تعلُّماً وتعليماً، والفقه أصولاً وفروعا وأهَّلهم هذا التعليم لفهم الثقافة المعاصرة بكل أشكالها الشعرية والنثرية، من أمثال عبد الكريم مطهر الكاتب الأول لديوان المقام، ورئيس تحرير جريدة الإيمان التي صدرت في منتصف العشرينيات، ومن أمثال يحيى الأرياني الذي كان يُدرس كل فروع المعرفة بما فيها علم العروض للخليل بن أحمد..
وكان يكتب المقالات كعبد الكريم مطهر، ويقول الشعر الأقرب إلى القديم، أما عبدالكريم مطهر، فقد كان لشعره روائحُ معاصرة نهضوية ومفردات أقرب إلى اللغة اليومية..
يشبه الاثنين محمد بن أحمد الحجري الذي تعلم الفقه وعلّمه
واهتم بالتاريخ اليمني خاصة، وألف فيه كتابين، الأول بعنوان
(الأنساب)، والثاني بعنوان (مجموعة بلدان اليمن وقبائلها)، وأمثال هؤلاء كثير الذين شكلوا طليعة الحدث والتحديث، وأهم ما أعقبوا أنهم فتحوا باب المعاصَرَة فتلاهم صف جديد كانت المعاصرة أقرب إليه من السّلفية، من أمثال زيد الموشكي ومحمد الزبيري، وعبدالكريم الأمير، ومحمد موسى، وحسين الدعيس، وعبدالرحمن الإرياني..
فقد ثقف هؤلاء ثقافة فترتهم، كما ألموا بثقافات آبائهم، وشكل الصف الثاني جسراً إلى المعاصرة الحقيقية التي بدأت بذرور شمس الخمسينيات فقد كانت تلك الفترة أن تشكل انقطاعاً عن الماضي بفضل ما زخرت به من ثقافات متنوعة الصور، متعددة القنوات.. وكانت فترة الخمسينيات بدايةً مغايرة للستينيات، بل ولآخر الخمسينيات، لأن تسارع التغيرات كان يتزاخر في كل لحظة، فاختلف النشء الذي ورد على المدارس في آخر الخمسينيات، لأن التغير قد أتى من المجتمع إلى المدارس، ولم يعد يأتي من المدارس وحدها إلى المجتمع. فكان طلاب أواخر الخمسينيات وأوائل الستينيات من نبت عهد التمرد والتطلع بحكم ما طرأ على البيوت من رفض للقائم وتوقٍ للبديل الأفضل..
حتى القوانين المدرسية تلاشت فتحطمت الموانع أمام الراغبين للدخول في الدراسة بعد أن كان الانتظام محدوداً، إذ لا يدخل عشرة من الطلاب إلّا وكان عشرة تخرجوا أو انقطعوا وهو ما كان يُسمى رسمياً بالمنحل أي وجود فكان سابق للطلاب اللاحق..
وفي آخر الخمسينيات أصبح قبول الطلاب غير مشروط، إما
مداراةً للناس وإما بسبب التراخي الذي أصاب النظام..
ففي هذه الفترة، دخل دار العلوم والثانوية أبناء كل الفئات من خياطين ونجارين وحدادين وقواتين وباعة صغار وفلاحين، مع ان دار العلوم كانت خاصة بابناء قضاة المحاكم ومديري المناطق.. ولكن التغير وصل إلى كل مكان..
وفي هذه الفترة المرهصة بالثورة التحق عبد الله بغدة بدار العلوم..
تعلّم عبد الله بغدة في مكاتب صنعاء النظامية وكانت من ستة فصول، وبعد الابتدائي التحق بالمتوسطة وتخرّج منها إلى دار العلوم حيث كان خريجوها يرقون إلى مناصب القضاء وإدارة المناطق والكتابة في المحكمات..
ووراء هذا التخيل لهث عبد الله بغدة، فدخل الشعبة الثانية من الصف الأول، لأنه كان قد ألمَّ بشيء من الفقه واللغة في حلقات الجوامع، فأعد نفسه لدار العلوم قبل دخولها وكان إلى جانب دراسته بدار العلوم يحضر دروس أحمد الكحلاني بين العشاءين في مسجد الوشلي..
كما كان يقرأ قبل دروس دار العلوم درساً في المنطق عند القاضي يحيى العنسي في مسجد الرحمة، وكان القاضي يحيى العنسي هو الوحيد الذي يدرس كتاب (الإيساغوجي) في علم المنطق..
بهذا نظّم عبد الله بغدة أوقاته وملأها بالدراسة في دار العلوم والمساجد، وكان طلاب ذلك الحين يسخرون من جدِّه لأنهم قد عرفوا خيبة من قبلهم، لأن تلك الفترة كانت رفضاً شاملاً حتى للدراسة التقليدية، إلّا أن بعض الجادين رأوا فرقاً بين العهد السياسي الذي يمثله الإمام وبين المنهج التعليمي الذي ينفع في كل عهد. فواصل عبد الله بغدة دراسته باهتمام، ولما وصل الشعبة الرابعة قامت الثورة 26 سبتمبر..
تسبب قيام الثورة في زيادة رفض دروس دار العلوم، برغم تحريض الأستاذ الزبيري وزير التربية والتعليم بعد الثورة طلاب دار العلوم بالدراسة، فعندما زار دار العلوم بعد الثورة وعد الطلاب بدخول مواد جديدة على دروسهم، وتحسين المنهج عامة، والبحث عن أساتذة أكثر كفاءة..
غير أن الطلاب لم يعودوا يقبلون شيئاً يمثل العهد البائد، بالإضافة إلى هذا استجدت مهمات للطلاب، إذ دعا الأستاذ الزبيري الطلاب إلى الانتشار في مناطق اليمن للتوعية بالثورة، وشكل جماعات لكل منطقة، وفي تلك الفترة تعين عبدالله بغدة على رأس جماعة إرشادية، اتجهت إلى آنس وجهران..
ولاقت بعضُ الجماعات مشاكل قتالية ،كما لاقت بعض الجماعات مناطق ريفية أكثر حماساً للجمهورية من أهل المدينة، فلا حاجة لإرشاد الرشيد..
فرجعت كل الجماعات ملتحقةً بأعمال مختلفة، فانضم البعض إلى الحرس الوطني، وانضم البعض إلى الجيش النظامي، والتحق البعض بالأزهر بالقاهر، وكان عبدالله بغدة من الذين انضموا إلى الإداريين في الجيش النظامي، وأبدى كفاءة حسابية وكتابية فاقت الذين سبقوه بسنوات..
ولما تشكلت إدارة الشئون العامة للتوجيه المعنوي عام 1966م كان عبد الله بغدة من الذين طلبتهم الإدارة، لمعرفتها به وبكفاءته النزيهة من كل غرض..
فعمل عبدالله بغدة مديراً لقسم التوجيه والشئون المالية مدة سنة 1966م، وفي عام 1967م اتسعت الإدارة وتكاثرت مهماتها نتيجة الهجوم على صنعاء وقلة أفراد الجيش..
قال عبدالله بغدة إن صنعاء محاصرة بتسعين ألف مقاتل وجيشنا يتكون من ألفي جندي وسبعة ألف ضابط.. وهذا ما دعا عبدالرقيب عبدالوهاب رئيس الأركان يومذاك إلى إصدار أوامر إلى الضباط الذين يقودون معسكرات أن يقاتلوا كأفراد عند الضرورة فتأهب كلٌ لواجبه..
وكانت إدارة الشئون العامة من إداريين عسكريين وصف ضباط وكان نعمان المسعودي مدير الشئون يعرف كفاءة الأفراد ومواهبهم وقُدرة كل واحد على الإثمار في موقعه، إلى جانب روح التطوع التي شملت كل المواطنين..
فكان نعمان المسعودي مدرباً في معسكر المقاومات ومقاتلاً في كل موقع يصل إليه، وكان يحيى محمد الكبسي يشترك في كل معركة وصلهم خبرها أو عرفوا تركيز الهجوم عليها، وكان أحمد سالم المعمري أوفرهم نشاطاً، فتعين لإذاعة برنامج للتوجيه المعنوي يحيى بيدر وعبدالله بغدة وكان الاثنان يقصدان كل المواقع لتسجيل الانتصارات ورفع المعنويات..
وتبدَّى أثر تعليم عبدالله بغدة في كتاباته الإذاعية التي كان يوجهها إلى القوات المسلحة والمقاومة الشعبية..
وتبدَّى برنامج القوات المسلحة المذاع مسموعاً تثقيفياً لكل القطاعات، كان يحتوي على حديث سياسي، وعلم نفس عسكري وعلى فقرة من أدب الحروب، وعلى درس في الوطنية، وكان عبدالله بغدة هو الذي يكتب هذه الفقرات ويبوّب البرنامج على الأهمية، ومن أحاديثه السياسية التي لفت بها الانتباه حديثٌ بعنوان "الموت من أجل الشعوب" فقد ضرب المثل بفرنسا التي دحرت الاحتلال النازي وبروسيا التي تحولت من مغزوّة إلى غازية حتى وصلت قصر هتلر طاغية المانيا والعالم..
أما أدب الحرب فكان يختار عبدالله بغدة ثلاث قطع من الشعر والنثر، وكان ينتخب الشعر السهل المؤثر والنثر المؤدي والصور المعبرة.
وعندما حدث ما تُسمى بهجوم عصر في يناير 1968م، انتدب عبدالله بغدة نفسه للقتال، فقد علم من الاستطلاع الحربي أن العدو جيّشَ عشرة آلاف للهجوم مساء على اللواء العاشر المعسكر في عصر، وكان هذا اللواء من الجنود النظام وليس لديه من السلاح الثقيل إلا مدفع ميدان ودبابتان، فقاتلت كل الشئون العامة إلى جانب اللواء العاشر الذي حقق أعظم انتصار في تاريخ السبعين يوماً..
ولأن النصر يستحق أعظم الضرائب، فقد قدم الجيش جباهاً عالية للاستشهاد، ومن الذين سقطوا في تلك الليلة بطل هذه الحلقة عبدالله بغدة المثقف العسكري والعسكري المثقف.




* من كتاب (ثوار في رحاب الله) للبردوني
صدر حديثاً عن الهيئة العامة للكتاب
تمت طباعة الخبر في: السبت, 31-أكتوبر-2026 الساعة: 08:56 ص
يمكنك الوصول إلى الصفحة الأصلية عبر الرابط: http://www.almethaq.net/news/news-68467.htm