بقلم: عبدالله البردوني - * تخرج محمد الحمزي من المتوسطة إلى سلاح الإشارة عام 1936م ثم التحق بالكلية الحربية عام 1940م وتخرج منها بعد أربع سنوات
* كان محمد الحمزي ميولاً إلى الكتب الثقافية وبالأخص الثقافة التاريخية وكانت هذه الثقافة تملك كل وقته
* كان بطبيعته هادئاً قليل المشاركة في أحداث الأربعينيات وقليل الاختلاط برجالها لهذا نجا من عواقب الأحداث التي وقع فيها بعض زملائه كالسجن
* كان يرى الانقلابات سابقة لتطور الشعب ولا يمكن نجاح أي عمل انقلابي إلّا إذا كان استجابة للرأي العام
* كانت سلامته من عواقب الانقلابيين لا تثير حوله شبهة لأنه كان يتجنب التورط عن فهمٍ للشعب الذي هو من غمار ملايينه
* محمد الحمزي كان عسكرياً طيَّعاً للأوامر وبالأخص إذا كانت تلك الأعمال وطنية الوسيلة والغاية.
* قاتل في البيضاء أيام الحملات البريطانية وتمارض عندما أمر الإمام أحمد بإنفاذ حملة عسكرية على خولان عام 1961م لأنها ضد جماعة من الشعب
* كان الحمزي يتجنب أي عمل عسكري ضد الشعب مهما كانت الأوامر إلَّا أنه لم يجاهر برأيه وإنما كان يدّعي المرض ويعكف في بيته
* لما قامت ثورة الـ26 من سبتمبر اتقد الحمزي بطولة وفدائية وكان من الضباط الأوائل الذين تحملوا مسؤوليةً قيادةً الدفاع عن الثورة
* بعد الثورة عرف الحمزي أن الشعب لا يحارب الثورة لأنه رحب بها من فور قيامها ولم يحدث تمرد في المناطق الحدودية إلا بعد أن امتدت يد التدخل بالأموال والأسلحة
* كان محمد الحمزي قائد صعدة بعد الثورة، فدافع عن المنطقة دفاع الأبطال حتى استشهد محروقاً في قلعة سنوان وضارباً أعلى مثل في الفدائية وفي الحكمة العسكرية
-----
كانت الطبقات الإقطاعية تملك الامتياز، لأنها كانت تملك القوة .. وكانت أغلب قواها تتكون من عبيد الأرض ومن قدرة أفراد بنيها على الفروسية وعلى الرمي بالسهام.
ولما اخترعت الصناعة المدفع كان أغلب عُمّاله من أبناء الصناعة، وعندما اتسع التناقض بين الإقطاعيين والصناعيين طلب المدفع الرماة بالسهام والقادرين على الفروسية، فأصبحت الخيول والسهام عاجزة أمام المدفع الذي صنعته الطبقة التجارية.
وكان المدفع مجرد رمز إلى كثرة الطبقات الصناعية التي تنافس الإقطاعيين سادة القلاع على التفرد بالسيادة وارستقراطية
العيش.
واتسع نمو هذه الطبقة التي تسمى الوسطى، في كل العالم، ومنها صعدت الثورة في فرنسا وفي روسيا وقبلهما في بريطانيا ثم في الوطن العربي، فقل شكل نمو الطبقات الوسطى خطراً على الإقطاعيين، فعجزت قلاعهم عن حمايتهم، كما فشلت سهامهم وخيولهم أمام رمي المدفع وما تلاه من اختراع الأسلحة النارية، فقد أصبحت الطبقات الوسطى أقدر على امتلاك القوة، لأنها كانت أملك للسوق، أما إذا عمت المجاعات فإن الطبقات العمالية تشارك الطبقات الوسطى الثورة.
إذ تلى تنامي الطبقات الوسطى نمو الطبقات العمالية التي صنعها سادة العمل بمقدار ما صنعت الطبقات العليا سادة العمل، وهكذا توالى تكاثر الطبقات حتى انمحى الإقطاع وأصبح مجرد تاريخ سيء.
هكذا تشابهت الظواهر في العالم بما فيه العالم الثالث، من جاكرتا إلى طنجة ومن وهران إلى صنعاء.. فما أسهل قياس الشعوب بالشعوب رغم الفروق الدقيقة.
* * *
عندما جاءت الحملة التركية الثانية إلى اليمن في النصف الأخير من القرن التاسع عشر ميلادي، شكلت العسكرية التركية فيلقاً من اليمن سمته الجندرمة أي الجيش المحلي أو العسكري المؤقت.
وكان غالبية الجندرمة من أبناء الطبقات الوسطى والدنيا أو من أبناء سوق الملح، كما كان يقول الارستقراطيون في اليمن الذين كانوا يصنفون الناس إلى صنفين: أبناء ناس وأبناء سوق، كما كانوا يصنفون الفلاحين صنفاً ثالثاً: القبائل الجهلة، ومن أبناء السوق تشكلت الجندرمة.
وبرغم تشكيلها على يد الأتراك فإنها شكلت نواة الجيش الوطني، إذ تحول عدد كبير من الجندرمة إلى مقاتلين إلى جانب الشعب ضد الأتراك، وبعد خروج الأتراك عام ١٩١٨م تبقى من ضباط الأتراك في اليمن حسب طلبهم إلى المقام، فدربوا أفراد الجندرمة على مختلف الأسلحة بما فيها المدفعية التي كانت تسمى الطّبشِّية، ثم شكلوا الجيش على الغرار التركي الذي كان قائماً في اليمن.
وأدّت الأحداث التمردية في الداخل إلى تزايد هذه الأعداد، غير أن السلاح لم يكن موفوراً لكل قادر على استعماله، فاستورد المقام الأسلحة الإيطالية والبنادق الرومانية من عام ١٩٢٨م إلى آخر الأربعينيات، واستدعى تلاحق الأحداث تكاثر عدد الجيش الذي كان يُعزَّز بجيوش قبلية عند تمرد المناطق المحاربة كمنطقة حاشد والزرانيق والمقاطرة..
وكان أغلب الذين تفوقوا في المرافق العسكرية هم أبناء الطبقات الوسطى والعمالية، وعندما انفتحت الكلية الحربية عام ١٩٤٠م كان المنتمون إليها من أبناء هذه الطبقات، فتكاثر عدد الضباط اليمنيين إلى جانب الضباط الذين انبعثوا إلى العراق في الثلاثينيات، والذين تسبَّب تخرجهم في فتح كلية حربية عام ١٩٤٠م لكي يعلموا غيرهم، إلى جانب بعثة عراقية برئاسة اسماعیل صفوت.
وبعد سفر البعثة العراقية عام ١٩٤٤م أصبح الضباط اليمنيون هم المعلمون في الكلية الحربية، التي اغلقت عام ١٩٤٨م بسبب الحركة التي قتل فيها الإمام يحيى وشارك فيها ضباط من أمثال عبد الله السلال، حمود الجائفي، حسين عنبة، عبد القادر أبو طالب، أحمد المروني، حسن العمري.
وكادت الكلية الحربية أن تصبح رمزاً للإجرام في نظر الإمام أحمد من عام ١٩٤٨م إلى عام ١٩٥٨م، ولكن بعد أن تابعت الكلية تخريج الدفعات من عام ١٩٤٤م.
وكان من الذين تخرجوا في تلك السنة البطل محمد الحمزي الذي عُرف بعد الثورة بشهيد سِنوان.
* * *
سبقت الإشارة إلى الجندرمة الذين شكلهم الأتراك في آخر القرن التاسع عشر وأول القرن العشرين، وقد تحولت الجندرمة إلى جيش تحرير ضد الأتراك، وإلى جانب الجندرمة افتتح الوالي التركي محمود نديم مدرسة المخابرات، التي نسميها الآن سلاح الإشارة، سنة ١٩٠٥م.
فكانت هذه المدرسة النواة الأولى لسلاح الإشارة، وقد تخرج منها عدد من الضباط من أمثال محمد الحيمي، محمد طه وبطلنا محمد الحمزي، فقد ظلت مدرسة المخابرات ( الإشارة اليوم ) بمثابة كلية عسكرية، إذ كان ينتقل إليها طلاب المتوسطة أو الثانوية أو دار الايتام.
وقد تخرج محمد الحمزي من المتوسطة إلى سلاح الإشارة عام ١٩٣٦م وبعد أن تخرج بأربع سنوات التحق بالكلية الحربية عام ١٩٤٠م.
وتخرج بعد أربع سنوات، فعمل في عدة مراكز: في الطويلة.. في حجة.. في صعدة.. وفي تعز.
وقلّما عمل في صنعاء التي هي مسقط رأسه، وكان محمد الحمزي ميولاً إلى الكتب الثقافية وبالأخص الثقافة التاريخية، وكانت هذه الثقافة تملك كل وقته، وكان بطبيعته هادئاً قليل المشاركة في أحداث الأربعينيات وقليل الاختلاط برجالها، لهذا نجا من عواقب الأحداث التي وقع فيها بعض زملائه كالسجن قبل ١٩٤٨م وكسجن نافع بعد ١٩٤٨م.
وعلى أنه كان موصول الوجدان بزملائه، إلّا إنه كان لا يرى رأيهم في صنع الانقلابات، لأنه رآها سابقة لتطور الشعب، ولا يمكن نجاح أي عمل انقلابي إلّا إذا كان استجابة للرأى العام، فكما تجنب الحمزي التورط في انقلاب ١٩٤٨م تجنب التورط في انقلاب ١٩٥٥م الذي قاده أحمد الثلايا، مع أن الحمزي كان صديقاً شخصياً لأحمد الثلايا، كما كان صديقاً شخصياً لبعض الذين شاركوا في انقلاب ١٩٤٨م.
وكانت سلامته من عواقب الانقلابيين، لا تثير حوله شبهة، لأنه كان يتجنب التورط عن فهم للشعب الذي هو من عمار ملايينه، وقد ساعده عمله العسكري على معرفة الشعب في أكثر من منطقة.
على أن محمد الحمزي كان عسكريا طيّعاً للأوامر، وبالأخص إذا كانت تلك الأعمال وطنية الوسيلة والغاية، فقد قاتل في البيضاء أيام الحملات البريطانية وتمارض عندما أمر الإمام أحمد بإنفاذ حملة عسكرية على خولان عام ١٩٦١م.. لأنها ضد جماعة من الشعب.
وكان الحمزي يتجنب أي عمل عسكري ضد الشعب، مهما كانت الأوامر، إلّا أنه لم يجاهر برأيه، وإنما كان يدَّعى المرض ويعكف في بيته.. ولما قامت ثورة السادس والعشرين من سبتمبر اتقد الحمزي بطولة وفدائية، وكان من الضباط الأوائل الذين تحملوا مسئوليةً قياديةً للدفاع عن الثورة.
* * *
بعد السادس والعشرين من سبتمبر، تميز محمد الحمزي ببعد النظر.. لقد كان قبل الثورة يأبي أن يشارك في حملة ضد الشعب، أما بعد الثورة فقد عرف أن الشعب لا يحارب الثورة لأنه رحب بها من فور قيامها، ولم يحدث تمرد في المناطق الحدودية إلّا بعد أن امتدت يد التدخل بالأموال والأسلحة.
هناك رأى الحمزي أنه يحارب أتباع الاستعمار أو المتحركين بإرادته.. وكانت مناطق شمال الشمال مشهورة بأنها قواعد الإمامة وأنها ستحاول رد الأمس غير، أن الحمزي تأكد أن التغير الزمني قد ألغى مفاهيم قديمة وأنبت مفاهيم جديدة، ولم تكن صعدة إلّا جزءاً من الشعب الذي أراد الثورة .. وليست تلك الأحداث التي شبت هناك إلّا من فعل التدخل الأجنبي.
* * *
وكان محمد الحمزي قائد صعدة بعد الثورة، فدافع عن المنطقة دفاع الأبطال، ولما اشتدت الهجمات ولم يصل إليه المدد الكافي، نتيجة صعوبة الطريق ونتيجة كثرة المشاكل في قيادة الثورة، قاتل الحمزي بكل ما لديه من رجال وسلاح، غير أن المهاجمين كانوا يبلغون الآلاف وكان محمد الحمزي في قلعة سنوان مع مجموعة صغيرة من الجنود والقبائل، فداهمهم جيش من آلاف بقيادة محاربين مرتزقة من أوروبا، فاستمات الحمزي ومن معه حتى شعروا باليأس، وهناك تبدت حنكة الحمزي العسكرية، فعندما تأكد من سقوط قلعة سنوان وكانت مليئة بالحبوب والذخائر والأسلحة، أحرق القلعة بالنفط لكي لا يستفيد الأعداء من مخزونات القلعة فاحترقت بمن فيها.. وكان محمد الحمزي من المحترقين.. وبهذا ضرب أعلى مثل في الفدائية وفي الحكمة العسكرية، فانتقل من قلعة سنوان مشبوباً بتأجج الثورة إلى رحاب الله.
من كتاب (ثوار في رحاب الله) للبردوني صدر حديثاً عن الهيئة العامة للكتاب.
|