بقلم: عبدالله البردوني - كان يقول مونتغمري إن العسكرية تبع السياسة، وإذا تسيست العسكرية فقدت العسكرية والسياسة معاً.
وهذا المفهوم غير صحيح بدليل أن إيزنهاور هو الوحيد الذي ترأس الولايات المتحدة ثلاث مرات وهو عسكري، غير أن ساسة بريطانيا كانوا يبررون فظاعة استعمارهم فيردون الفظائع التي ترتكبها جيوشهم في الشعوب المحتلة إلى حماقة العسكريين، وكانوا يهدئون جماهير تلك الشعوب بعزل القائد العسكري، لأنه أساء تنفيذ السياسة، أو بعزل المندوب السامي لأنه لا يجيد الإشراف على القوى العسكرية لكي تجيد بدورها تنفيذ السياسة.. وكانت هذه مجرد مغالطة من قبل الساسة في لندن.
وتلقف هذه الأفكار بعض المفكرين العرب، فزعموا أن السياسة لها رجالها وأن العسكريين بعيدون عنها..
وهذا تأثر خاطئ فلا يختص بفهم السياسة المدني وحده ولا العسكري وحده، فقد دلت التجارب أن العسكرية الوطنية هي التي قاومت الاستعمار على حين كانت تتواطأ الأحزاب المدنية معه، فقد نبه العقيد عبدالله القل إلى خطورة الهجرة اليهودية إلى فلسطين قبل الساسة جميعاً.
أما التاريخ العربي فيدون أن ميزة العربي أنه محارب وأنه فصيح اللسان وأنه عفيف اليد.
وكانت الشجاعة أبهى المزايا، فقد كان كل الناس عسكريين.. حتى في ظل الفتوح الإسلامية فإن الفاتحين لم يكونوا معسكرين كجيوش وإنما كانت ألويتهم عشائرية كما تدل أسامي الألوية المنسوبة، لواء بني زهرة، لواء بني سهم، لواء همدان، إلى آخره.
وعندما أصبحت الخلافة وراثة عائلية احتاجت البيوت الحاكمة إلى الجندية المحترفة وإلى الرقيق المقاتلين.
وفي اليمن كان الأئمة والسلاطين، بعد استقلال اليمن عن خلافة بغداد، يقودون أكثر الحروب، وأحياناً يضعون على رأس كل حملة عسكرية أحد الفقهاء المقربين، لأن الحرب سياسة وتنفيذ أغراض سياسية.. فتأكد في تلك الفترة مفهوم طاعة العسكرية للسياسة وانقياد الجيوش للساسة.
باعتبار السياسة علماً تتوارثه الطبقات التي تتوارث التعليم والحكم، لهذا كانت البيوت المتعلمة في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر ميلادي تترفع عن العسكرية، لأنها مجرد منقادة لأوامر السياسة العليا.
وتواصل هذا المفهوم في بلادنا إلى منتصف الخمسينيات تقريباً، وذلك عندما فاجأت القصور السياسية أخبار ثورة العسكريين على الساسة إلى جانب تمردات عسكرية وقعت داخل اليمن.
هناك كاد أن يمحي المفهوم القديم عن تبعية العسكرية للسياسة، لأن العسكرية أصبحت زعامة سياسية في هذا القطر أو ذاك، وراهنت الزعامة العسكرية على وطنيتها وعلى ثوريتها باسم الجماهير، فتألق في الخمسينيات اسم جمال عبد الناصر في مصر وعبدالكريم قاسم في العراق ويوسف بن خدة في الجزائر، بل كاد أن يلوح المستقبل السياسي للعسكريين في أكثر من مكان.
في تلك الفترة تجدد مفهوم مختلف عن القديم حتى وصل إلى ثكنات الجنود الذين كانوا يرددون ( الجيش جناح الدولة ) بعد أن كانوا في العقود السابقة مجرد أداة.
إلى جانب هذا التحقت أفواج من أبناء البيوت الحاكمة بالكليات العسكرية لكي تسبق جيش الشعب إلى السلطة أو إلى حماية السلطة السياسية من جيش الشعب، من ذلك الحين تتابع دخول أبناء بيوت الفقه من كل عرق، الكليات الحربية أو كليات الطيران أو كليات الشرطة.
وتعدد الداخلون إلى هذه الكليات في الداخل والخارج، ولما قامت ثورة ٢٦ سبتمبر تبدَّى مجد العسكريين يتألق حتى اطّرح بعض المعممين عمائمهم والتحقوا بالكليات العسكرية، وفي طليعة
أولئك الملتحقين بالكلية الحربية، بطل هذه الحلقة أحمد عبد الوهاب السماوي.
* * *
نشأ أحمد السماوي في بيت فقه وحكومة، فقد كان جده العزي قاضياً اختيارياً، وكان أبوه قاضياً رسمياً في أكثر من محكمة ، ونشأ أحمد على طريقة بيته في تعليم القرآن واللغة والفقه.
وفي عام ١٩٦٠م التحق بدار العلوم مع أخيه محمود، وكانت تلك الفترة متذبذبة الظروف بين الانقطاع عن الماضي وبين الانتقال إلى الغد، فلم يعد طلاب دار العلوم راغبين في تلك الدراسة الفقهية والنحوية والبيانية، لأن فكرة ( العلم يخدم الشعوب ) كانت سائدة يومذاك، فكان يرى الطلاب تلك الدروس التي يتلقونها، على أنها من علم الماضي الذي باد، دون أن يفطن أكثرهم إلى ما فيها من أساسيات لغوية وفكرية تصلح أساساً جيداً للثقافة المعاصرة، ولفهم أطوار العصر وكتابات صانعيه والمتفاعلين به، فكانت الدراسة في دار العلوم من أول الستينيات إلى قيام الثورة شبه مفروضة، حتى على أبناء الطبقات المتعلمة.
وقد لاحظنا في حلقات سابقة انخراط أبناء بعض البيوت في الكليات العسكرية والأمنية باعتبارها المجال الذي انفتح يومذاك.
ولما قامت ثورة ٢٦ سبتمبر أصبح دخول الكليات متعدد المفاهيم والاتجاهات.. فالتحقت مجاميع بالكليات والمعسكرات ومواقع القتال حماساً للثورة وافتداء للوطن، والتحق البعض بالكليات لحماية سير الثورة في خطها المرسوم، ودخل البعض الكليات استجابةً للتغيرات والاحتمالات..
المهم أن تلك الفترة عسكرت الآلاف تلو الآلاف من كل بيت، إما خوفاً على الوطن، وإما خوفاً على الثورة، وإما بحثاً عن المكان السياسي الذي أصبح عسكرياً بفعل التغيرات..
فأدى التعسكر إلى أفضل النتائج، فقد اتقد الحماسي بالحماس، وذابت المفاهيم الشخصية في التيار الوطني الثوري حتى أصبحت النزعات الفردية كقشة في نهر دفَّاقٍ.. هذا من جهة، ومن جهة ثانية انمحت الطبقيات والقرويات تحت حرارة التيار الوطني الثوري، فلم يعد هناك فروق بين ابن فلان وابن فلان ،إذ أصبح الكل أبناء الشعب وجيش الشعب، فحلت أخوة السلاح محل أخوة الرضاعة والأبوة، وحل الوطن الكبير محل القرية والمدينة، وتحولت العائلات إلى شعب واحد كله عائلة.
وكان البطل أحمد عبد الوهاب السماوي متواصل الجد والجهد في كل مراحل دراسته، فقد كان في المراحل الابتدائية من الأوائل، وكان في دار العلوم من المشهورين بحسن التلقي والأداء، فانتقل إلى الكلية الحربية وهو مطبوع على الجد، معباً بالحس الوطني الثوري.
* * *
زادت بطلنا المشاق العسكرية قوة عضلية إلى جانب القوة الذهنية التي رسختها فيه قراءة الدروس الصعبة من فقه ولغة، ذلك لأن الذي ينطبع على الجدية وإجادة الأداء يحقق التفوق في أي مجال ينتقل إليه، فقد أصبح أحمد السماوي بين زملائه عسكريا منضبطاً، تحركيا مرموقاً، شجاعاً في كل موقف، وكان طلاب الحربية في الستينيات ينقطعون عن دروسهم عندما يشتد الهجوم العدواني فيقاتل أولئك الطلاب إلى جانب الذين سبقوهم إلى المواقع، وكأنهم قد فرغوا من التعليم واستوعبوا خطط القتال ..!! وكانت الفترات التي تستنفرهم تعطيهم تعليماً ميدانياً يفوق التعليم النظري والتدريب، لأنهم كانوا يدرسون من الواقع ما لا يتلقون في الكلية من النظريات الجاهزة.. فتميزت تلك الدفعات التي تخرجت في الستينيات باستيعاب النظريات الجاهزة وإضافة التجارب الحية.
وكان أحمد عبد الوهاب السماوي من المتفوقين نظرياً وتطبيقياً، فحصل على منحة دراسية إلى الاتحاد السوفيتي، وكانت حروب الستينيات تتراوح بين الهمود والاتقاد، إذ كانت تمر شهور لا تبدو فيها قرون الحرب، وكانت أحياناً تفاجئ على حين غفلة لأن حروب تلك الفترة كانت زئبقية الظروف خاضعة لِمدّ السياسة العالمية وجزرها.
وبعد أن تخرج أحمد عبد الوهاب السماوي متخصصاً في المدفعية استجدت الحرب الأشرس ووصلت في تلك الفترة إلى أبعد آمادها، ففي عام ١٩٦٧م اضطر العدوان الصهيوني الجيش المصري إلى الانسحاب من اليمن، فتبادر إلى أذهان المستعمرين خلو الميدان على أرض اليمن، فانقضت الحملات الرجعية والفلول البائدة على المراكز القريبة من صنعاء، طامعة في احتلال صنعاء وإسقاط النظام فيها، دون أن يفكر أولئك أن خمس سنوات من الثورة المتقدة قد أنبتت قوى جديدة وعسكرت شباباً كانوا عسكريين بالطبيعة والحماس.
لم يفطن أولئك المهاجمون إلى قوة صنعاء إلا بعد أن وقعوا في الورطة وتوهموا الفراغ.. وعندما وقعوا في أوهامهم حاصرتهم صنعاء التي أرادوا حصارها، لأن أولئك الضباط حديثي العهد بالتخرج جمعوا بين التخطيط والتنفيذ وبين القتال وتسيير المقاتلين فأجادوا طريقتين من الدفاع..
إغراء المهاجمين لكي يقعوا، وشن الهجمات المعاكسة على تجمعاتهم، وكان أحمد عبد الوهاب السماوي في الخندق الأول المدافع عن صنعاء وكانت المعسكرات التي سورت صنعاء بالنار تتناسق فيما بينها دفاعاً وهجوماً، وكان عشق الوطن يغري بعشق الاستشهاد لأنه آية نصر الوطن.
فبعد أن حقق جيش الثورة كسر الحصار وانتقل إلى حصار المحاصرين تأكد الأعداء والأصدقاء أن الثورة باقية وأن نظامها جاء لكي يتسرمد كأرض هذا الشعب المناضل.
وفي غمرة أفراح الانتصار وفي زحمة توهج الشعب بالنصر خاض عبد الوهاب السماوي معركة مدفعية فاصلة حقق فيها رقيه إلى مصاف الشهداء العظماء، فالتحق بأمثاله من الشهداء الشجعان إلى رحاب الله.
ـــــ
من كتاب (ثوار في رحاب الله) للبردوني، صدر حديثاً عن الهيئة العامة للكتاب. |