عبدالسلام الدباء* - هل سألنا أنفسنا يوماً: ماذا لو صمتت الأقلام في اللحظة التي احتاجها الوطن أكثر من أي وقتٍ مضى؟.. سؤال يبدو بسيطاً، لكنه يفتح باباً واسعاً على مسؤولية ثقيلة يتحملها كل مَنْ يكتب، وكل مَنْ يملك منبراً، وكل مَنْ يعتقد أن الكلمة ترف يمكن استبداله بالضحك العابر أو السخرية السطحية.. ففي زمنٍ تتكاثر فيه المآسي، لا يعود الصمت حِياداً، ولا تصبح الخفة براءة، بل يتحولان – دون قصد أحياناً – إلى مشارَكة في إطالة الألم..
إن القلم، في جوهره، ليس أداة ترفيه فقط، بل أداة وعي وبناء.. وحين ينشغل بعض الكُـتَّاب بمطاردة “التّرند” أو اللهاث خلف الفكاهة الرخيصة، بينما الوطن ينزف، فإن السؤال المشروع يصبح: أيّ مجد نرجوه من حِبر لا يرى أبعد من لحظته؟.. وأيّ تاريخ نكتبه إذا اختصرنا الأوطان في نكتة، والقضايا الكبرى في منشور عابر؟!
اليمن اليوم ليس مجرد خبر في نشرة، ولا عنوان في تقارير الحرب.. إنه ذاكرة حضارة، ووجدان شعب، وحُلم أجيال تبحث عن دولة عادلة لا تُميّز بين شمال وجنوب، ولا تختطفها الميليشيات ولا المشاريع الضيّقة.. هنا تحديداً تتجلى مسؤولية أصحاب الأقلام: أنْ يكونوا صوت العقل لا صدى الضجيج، وأنْ يرفعوا النقاش من مستوى الانفعال إلى مستوى الفكرة، ومن منطق التخوين إلى أفق الشراكة..
لقد أثبت التاريخ اليمني أن معركة التحرُّر لم تكن يوماً حِكراً على منطقة دون أخرى.. الشمال والجنوب تقاسما الدم، وتقاسما الأمل، وتقاسما الخيبة أيضاً.. ومن الظلم الفادح اختزال ملايين البشر في أسماء أشخاص أو جماعات، أو تحميل فئة كاملة وِزْرَ مَنْ استبدّ وتَجبَّر.. فعَدوّ اليمن الحقيقي لم يكن يوماً البسطاء الحالمين بوطن كريم، بل كل مَنْ خان العهد، ونهب الدولة، ومزَّق النسيج الاجتماعي باسم السلطة أو الأيديولوجيا..
وفي خِضَم هذا المشهد المعقَّد، برزت أصوات ترفع السلاح قبل أن ترفع الفكرة، وتدَّعي تمثيل الجنوب أو الشمال بالقوة، لا بالإرادة الحُرة.. وهنا يصبح دور الكلمة أخطر وأهم: فضْح الزيف دون تحريض، ونقْد المشاريع المسلحة دون الانزلاق إلى كراهية جديدة، والتأكيد أن الدولة لا تُبنى بفوهة بندقية، بل بعَـقْد وطني جامع، وعدالة في السلطة والثروة، واحترام للتنوُّع السياسي والمناطقي..
إن الكتابة المسؤولة اليوم ليست ترفاً أدبياً، بل ضرورة وطنية.. كل مقال يمكن أن يكون جِسراً بين المتخاصمين، أو خندقاً جديداً في معركة الانقسام.. كل سطر قادر إما على ترميم الوعي، أو تعميق الشرخ.. لذلك، فإن المطلوب من أصحاب الأقلام أن يجعلوا من حِبرهم موقفاً، ومن كلماتهم بوصلة، ومن نقدهم أداة إصلاح لا وسيلة تصفية حسابات..
وفي الختام، يبقى السؤال الذي يجب أن يطاردنا جميعاً: هل نريد أقلاماً تُضحكنا لدقائق، أم كلماتٍ تبقى شاهدة حين يُسأل التاريخ: مَنْ وقف مع اليمن حين كان يحتاج إلى صوتٍ عاقل؟.. ربما عندها فقط ندرك أن القلم، حين يخلص لقضيته، يمكن أن يكون أقوى من كل الضجيج.
*مستشار وزارة الشباب والرياضة
|