د. ربيع شاكر المهدي* - السياسة تختلف جذريًا عن العواطف خصوصًا حين نتحدث عن المكوّنات السياسية والأحزاب، فالعاطفة تنطلق من الانتماء والوجدان وردّة الفعل، أما السياسة فتنطلق من المصلحة والميزان والحساب البارد للنتائج..
الأحزاب والمكوّنات السياسية لا تُقاس بما تشعر به تجاهها، بل بما تريده فعليًا وما تستطيع تحقيقه وكيف تتفاوض وتتنازل وما هو ثمن كل موقف على المجتمع والدولة، لأن الخلط بين العاطفة السياسية والفعل السياسي أحد أسباب إطالة الأزمات، فالسياسة تُبنى بالعقل وتُحكَم بالمصلحة وتُقاس بالنتائج..
السياسة ليست امتدادًا للعاطفة ولا ترجمة مباشرة للانتماء، بل هي في جوهرها العميق ممارسة عقلانية لإدارة الممكن وسط عالمٍ لا يعترف بالنوايا بل بالنتائج، فالعاطفة تنبع من الوجدان ومن الإحساس بالحق والظلم ومن الحماسة والخذلان، أما السياسة فتنطلق من سؤال أكثر قسوةً: ما الذي يمكن تحقيقه؟، وبأي ثمن؟، وعلى حساب مَنْ؟، فمنذ ميكافيللي ظل الفرق واضحًا بين الأخلاق كقيمة والسياسة كفن إدارة الصراع..
ومع ذلك لا أقصد الدعوة هنا إلى سياسة بلا روح، فالعاطفة تظل ضرورية لبناء المعنى ولحفظ البوصلة الأخلاقية ولمنع السياسة من التحول إلى إدارة باردة بلا ضمير وبغير ذلك تفقد السياسة وظيفتها الأساسية وهي حماية المجتمع من الفوضى وحماية الدولة من الانهيار فالأحزاب والمكونات السياسية تعيش في ميدان مزدحم بالمصالح المتضاربة، حيث لا يكفي أن تكون على حق بل يجب أن تكون قادرًا على تحويل هذا الحق إلى قوة منظمة وخيار قابل للتنفيذ..
العاطفة السياسية حين تتضخم تُحوِّل الانتماء إلى يقين مطلَق، والخصم إلى شرٍّ خالص، والاختلاف إلى خيانة، وهنا تبدأ السياسة بالانتحار البطيئ، لأن الدولة لا تُبنى باليقينيات الأخلاقية وحدها بل بالتوازنات وبفن إدارة التناقض وبالقدرة على القبول بحلول تمنع انهيار الكل..
الأحزاب لا تُقاس بصدق خطابها بل بقدرتها على صياغة أهداف واقعية وقراءة موازين القوة والتفاوض دون أوهام، والتنازل حين يكون أقل كلفة من العناد فالسياسة في معناها العميق هي عِلم الخسارة المُحتمَلة لا نشيد الانتصارات الكاملة..
كل مشروع سياسي لا يحسب كلفة قراراته على المجتمع والدولة يتحول إلى عبء تاريخي مهما كانت نواياه نبيلة، فالخلط بين العاطفة السياسية والفعل السياسي كان ولا يزال أحد أهم أسباب إطالة الأزمات، فالعاطفة تُشعل لكنها لا تُدير وتحشد لكنها لا تبني وتُسقط الخصوم في الخطاب لكنها تعجز عن إسقاط الأزمات في الواقع؛ والسياسة لا تكافئ الأكثر صدقًا بل الأكثر تنظيمًا والأقدر على تحويل الأفكار إلى مؤسسات والشعارات إلى سياسات عامة..
الدولة لا تسأل السياسي عمّا يشعر به بل عمّا أنجزه؛ والمجتمعات لا تُنقَذ بالعاطفة وحدها بل بعقلٍ يعرف متى يتمسك بالمبدأ ومتى يختار الممكن..
هكذا فقط تتحول السياسة من انفعالٍ عابر إلى مشروع دولة ومن صراع هويات إلى إدارة مصير..
في نهاية المطاف لا تُدان العاطفة لأنها عاطفة ولا تُقدَّس السياسة لأنها سياسة بل يُدان الخلط بين موقع كلٍّ منهما ووظيفته فالعاطفة تمنح الفعل السياسي روحه ومعناه لكنها تعجز عن قيادته بينما يمنح العقل السياسي القرار اتزانه لكنه يفقد شرعيته إن انفصل عن القِيَم..
إن أخطر ما يواجه المكونات السياسية والأحزاب ليس خصومها فقط بل وهْمُ أنها تستطيع حُكْم الواقع بمنطق الشعور لا بمنطق الممكن فالدول لا تنهار حين تخطئ النوايا بل حين تُدار الأزمات بعاطفة لا تحسب الكلفة وبمواقف لا ترى ما بعدها..
المستقبل سيُكتب، لم يفهم أن السياسة مسؤولية تاريخية وأن بناء الدولة يحتاج إلى وعي أعمق وعقلٍ قادر على الموازنة بين المبدأ والمصلحة بين الحُلم والقدرة وبين ما نريده وما نستطيع إنجازه، وهنا فقط تتصالح السياسة مع معناها ويصبح العقل حارس العاطفة لا سجينها.
*سياسي يمني
|