الميثاق نت -

الأحد, 21-ديسمبر-2025
محمد علي اللوزي -
لم تعد الفتات المتبقية من الأحزاب السياسية قادرة على التعريف بنفسها، بعد أن فقدت بوصلتها الأيديولوجية، وتجردت من مضمونها القِيَمي، وتنازلت كُـلياً عن المبادئ التي تأسَّست عليها.. تلك المبادئ التي حملها رواد حقيقيون في معترك نضالي صادق، دفع بعضهم حياته ثمناً، أو ذاق مرارات السجن والتعذيب والملاحقة، ليأتي من بعدهم مَنْ خانوا الإرث، وارتموا بلا خجل في أحضان الرجعية والاستعمار، لا بدافع القناعة، بل بدافع المصلحة، أو اللامبالاة، أو حتى العجز عن المواجهة..
لقد أفضى تغييب الأيديولوجيا، تحت سطوة الإغراء المادي، إلى تحويل هذه الأحزاب من قوى حية فاعلة في المجتمع، إلى كيانات هشة مثار للسخرية، بعد أن كانت صمام أمان للتعددية السياسية، وضمانة للتوازن الوطني.. فأصبحت مجرد ديكور في مسرحية عبثية عنوانها العريض: تحالفات لتدمير الوطن باسم السياسة..
المفارقة الأكثر فداحةً تتجلى في مصير بعض الأحزاب اليسارية التي نشأت تاريخياً على النقيض من أنظمة البترودولار، ورفعت شعارات مناهضة للاستعمار والإمبريالية، والتحمت ــ في بداياتها ــ بتطلعات الجماهير، وشكّـلت رافعة سياسية حقيقية للفعل الشعبي..
اليوم، تقف هذه الأحزاب ذاتها في موقع النقيض من تاريخها، منخرطةً في فعل المؤامرة، متخذةً من لافتتها الحزبية واجهةً لجني محصول العمالة والخيانة، وتضفي شرعية سياسية على القتل والتدمير، بلا أي اكتراث أخلاقي أو وطني.. وهنا يذوب الفارق بينها وبين قوى اليمين، ليلتقوا جميعاً عند نقطة واحدة: تعميق التخلُّف، وطمس الهوية النضالية، وفتح أبواب الارتزاق والصراع البيني..
ولم تسلم الأحزاب الوسطية من هذا المصير، وقد بلغ التشظّي ذروته في أحزاب كبرى، كحال المؤتمر الشعبي العام، حيث تعددت القيادات، وتناسلت الصراعات، بينما ظلت العمالة واحدة..
الإصلاح ضد الناصري، والناصري ضد المؤتمري، والمؤتمري ضد الإصلاح، والجميع ضد أنصار الله، والكل ضد الكل، بلا رؤية وطنية، ولا مشروع سياسي، ولا معنى نضالي.. المفارقة أن الجميع، رغم هذا الاقتتال الخطابي والتنظيمي، يقفون في خندق واحد حتى داخل الحزب الواحد، يتجسد الانقسام بصورة فجة:
- داخل لا يعترف بخارج..
- وخارج لا يتبع داخلاً..
وكل طرف يدَّعي الشرعية والتمثيل..
من بوابة هذا التمزُّق، استطاعت قوى التحالف أن تغرس أنيابها في الجغرافيا اليمنية، وتحوّل حضورها العسكري والسياسي إلى احتلال مكتمل الأركان، تشرعنه أحزاب البترودولار ببيانات ومواقف واصطفافات سياسية..
في الجنوب، تتجسد الهيمنة بأوضح صورها، بينما تغيب ما تُسمى بـ«الشرعية» عن الأرض، لتتحول إلى كيان متناقض مع الوطن، ومع الثورة، ومع الوحدة، بل ومع نفسه، وأداة طَيّعة بيد قوى الاحتلال، لا تملك من أمرها شيئاً..
يكشف واقع الحال عن خواء سياسي عميق؛ فلا قرار وطني مستقل، ولا قرار حزبي سيادي.. الجميع يدور في فلك الارتهان، يستخذي، ويعاني أزمات نفسية حادة، بين ذاكرة نضالية مثقلة بالشعارات، وواقع ملوث بالتبعية والانكسار..
وهنا تبرز حقيقة قاسية: أن هذه القوى، بعد أن استُهلكت أدوارها، قد تجد نفسها محل مساءلة من قِبَل مَنْ استخدمها، بوصفها مجرد مرتزقة لم تحقق نصراً، ولم تُنجز مشروعاً، ولم تعد ذات جدوى..
ثمة تحوُّلات عميقة تلوح في الأفق، قد تُقصي القوى الرخوة والانتهازية، وتدفع بها إلى الهامش، أو تمنحها مهلة قصيرة للمغادرة، محملة بما جنته من أموال، بعد أن انتهى دورها الوظيفي..
ومع ذلك، لا تزال الفرصة ــ رغم ضِيق الوقت ــ متاحة لعودة الوعي إلى هذه الأحزاب، بمختلف ألوانها، إنْ هي امتلكت شجاعة المراجعة، وتجاوزت ثارات صنعتها ظروف سياسية ومصالح مالية، وتقدمت نحو شراكة مع الداخل، لا وفق أفضل الشروط، بل وفق الممكن الوطني، قبل أن تجد نفسها على قارعة الطريق، مهمَلة، بلا حضور أخلاقي أو سياسي..
إن تباينات اليوم، التي يتصارع حولها قادة الأحزاب، لا تهم سوى الأثرياء، ومَنْ اعتادوا الدخول إلى الوطن دون تأشيرة.. أما الوطن نفسه، فبحاجة إلى قوى جديدة، تمتلك الجرأة على المبادرة، والقدرة على التجديد، والإخلاص لفكرة السيادة..
فهل تملك الأحزاب المفككة القدرة على ترميم شروخٍ اتسعت؟..
أم أنها ستظل غارقة في تصدُّعها، حتى أفولها، وبروز قوى أخرى أكثر صدقاً وفاعليةً؟..
القادم وحده كفيل بالإجابة.
تمت طباعة الخبر في: الجمعة, 23-أكتوبر-2026 الساعة: 05:29 م
يمكنك الوصول إلى الصفحة الأصلية عبر الرابط: http://www.almethaq.net/news/news-68236.htm