الميثاق نت -

الإثنين, 15-ديسمبر-2025
استطلاع / بليغ الحطابي : -
لا يزال التصعيد في المحافظات الشرقية، حضرموت والمهرة، على أشدّه حتى وإن أظهرت الرياض انسحاباً تكتيكياً، وفق مراقبين، من بعض المناطق، وأفلتت الحبال للانتقالي للاستفراد بداخل تلك المناطق النفطية، لكن ليس بشكل تام فهناك حلف قبائل حضرموت المدعوم سعودياً الذي استبق خطوة الانتقالي وسيطر على مناطق النفط والثروة وكبح جماح الأخير المعادي له.. لكن الوضع مرشح للتصعيد خصوصاً بعد إعلان قوات الانتقالي سيطرتها على مواقع النفط بحضرموت، وأيضاً مناطق في محافظة المهرة، بعد توجيهات من مرتزقة المجلس الرئاسي بتسليم المعسكرات وعدم مقاومة قوات الانتقالي..

قلق سعودي..
وعلى ضوء شعورها بالقلق أرسلت السعودية وفداً لمحاولة تهدئة الوضع وإبرام اتفاق بين المتقاتلين في حضرموت، دعت فيه إلى إخراج القوات القادمة إلى حضرموت من خارج المحافظة، وتقصد قوات الانتقالي، فيما قواتها التي سحبتها من عدن وأبين إلى حضرموت والمنضوية تحت اسم درع الوطن، نشرتها في الوديعة والشريط الحدودي هناك كقوات حماية للحدود في محاولة مكشوفة على إبقاء الوضع تحت سيطرتها، حتى وإن حركت الدبلوماسية الغربية وحشدت سفراءها للموافقة على مقترح القاضي بإخراج القوات المدعومة إماراتياً "الانتقالي"..

تَموضُع جديد..
وبحسب أوساط سياسية، فما يجري على الأرض في حضرموت أو المهرة وشبوة ليس سوى محاولة تَموضُع جديدة لقوى التحالف الإقليمي المتمثّل بالسعودية والإمارات ومَنْ يقف خلفهما من الدول الغربية؛ فضلاً عن كوْن هذه الأحداث والفوضى مدخلاً لإنهاء ورقة المجلس الرئاسي الهزيل الذي لم ينجح في حسم أبسط الملفات المثيرة للقلق الشعبي والمجتمعي.. وستخول للتحالف القفز على هذه النقطة لوضع ما يناسب مشروعهم التوسُّعي النهبوي في اليمن..

جذور الأزمة
وتعود بدايات الأزمة إلى ظهور قائد قوات الدعم الأمني، أبو علي الحضرمي -في تسجيل مصوَّر- هاجم فيه القوات القبلية التي نصبت نقاط تفتيش في الهضبة، متهماً حلف قبائل حضرموت بتشكيل عصابات مسلحة وقطع الطرق وتهريب المخدرات، في تصعيد يشير إلى محاولة واضحة من الانتقالي لإعادة تشكيل ميزان القوة في حضرموت والتمدُّد نحو مناطق استراتيجية ظلت خارج نفوذه خلال السنوات الماضية..
وتَوعَّد الحضرمي بـ"دحر" تلك القوات، مؤكداً أن ما سمَّاها القوات الجنوبية عازمة على إنهاء الوضع غير السوي، وأن الجنوب العربي لن يقف مكتوف الأيدي أمام أي محاولة لفرض واقع جديد بقوة السلاح في المناطق الاستراتيجية بحضرموت..
ويأتي هذا التوتُّر في ظل تنافس مشروع المجلس الانتقالي الجنوبي الذي يسعى لتوسيع نفوذه في الجنوب والشرق على حدود ما قبل عام 1990م، مقابل مشروع حلف قبائل حضرموت الذي يطالب بحكم ذاتي واسع للمحافظة وفق وثيقة أطلقها الحلف، تتضمن محددات تجعل حضرموت أقرب للاستقلال منه للحكم الذاتي..

تنافس إقليمي..
وفي الوقت ذاته، تستمر ما تُسمى قوات درع الوطن المدربة والممولة سعودياً في التمدُّد في محافظتي حضرموت والمهرة، ما يعكس تنافساً إقليمياً غير معلَن على النفوذ في شرق اليمن الغني بالنفط والموانئ والمنافذ البرية.. وفق مراقبين..

تأجيل السلام..
ويرى محللون أن استمرار حالة التوتُّر المسموح بها تعمل على تأجيل الالتزام بإعادة الإعمار وإنهاء الحرب، وإحداث تغييرات جيوسياسية مرتبطة بالهواجس الأمنية والمطامح الاقتصادية للفاعلين الإقليميين، ما يجعل حضرموت على شفا صراع قد يعيد رسم مستقبل المحافظات الشرقية كافة ويهدّد استقرارها الاقتصادي والاجتماعي والسياسي..

المهرة تستشعر..
ومع تَصاعُد الأزمة، دخلت محافظة المهرة على خط الأحداث المجاورة، حيث أصدرت لجنة اعتصام أبناء المهرة السلمي بياناً عبَّرت فيه عن قلقها البالغ إزاء التصعيد في حضرموت عقب التهديد الصريح الذي وجَّهه قائد قوات الدعم الأمني التابع للانتقالي، أبو علي الحضرمي، ضد حلف قبائل حضرموت..
وأكد البيان أن التلويح بالحرب ضد مكوّن قبلي أصيل ومتجذّر لا يمثّل الشيخ عمرو بن حبريش وحده، بل يعكس إجماعاً قبلياً واجتماعياً واسعاً يضم كافة قبائل وشرائح حضرموت، مشيراً إلى أن أي محاولة لإشعال فتنة ستفتح أبواب صراع خطير لن يقتصر أثره على حضرموت فحسب، بل سيطال المحافظات الشرقية كافة، وفي مقدمتها المهرة..
وحمَّلت لجنة الاعتصام الجهات الخارجية وأدواتها المحلية مسئولية أي فوضى محتمَلة، مؤكدةً تضامنها الكامل مع الحلف وقيادته ودعم حقهم في حماية كيانهم ووحدتهم، داعيةً العقلاء من قيادات حضرموت إلى إفشال أي محاولة لجَرّ المحافظة إلى صراع وفوضى لا تُحمد عقباها، مشدّدةً على أن أمن حضرموت واستقرارها جزء لا يتجزأ من أمن واستقرار المهرة، وأن الحفاظ على السلم الاجتماعي مسئولية مشترَكة لا يجوز التفريط بها..
ومع استمرار التحشيد العسكري واتساع الهُوة بين الطرفين، يخشى مراقبون أن تشهد حضرموت مرحلة جديدة من التصعيد قد تعيد رسم خارطة النفوذ الأمني والسياسي في واحدة من أكثر المحافظات اليمنية حساسيةً..
فاستمرار تلك التحشيدات والتهديدات المباشرة، والتحرُّكات الميدانية المكثفة بين القبائل من جهة، وقوات الانتقالي من جهة أخرى، تشير إلى أن المحافظة قد تواجه مواجهة مفتوحة إذا لم تتدخل الأطراف العقلانية لإدارة الأزمة، ما يجعل استقرار شرق اليمن ككل على المحك، ويؤكد أن الحفاظ على السلم الاجتماعي والقبلي في حضرموت أو المهرة لم يعد خياراً بل ضرورة لتجنُّب انزلاق المنطقة نحو صراع واسع وعواقب غير محسوبة..

الانتقالي وعلاقته بالكيان..
ولمعرفة ما يحدث في الجنوب أكثر، يرى مراقبون قراءة لقاءات بين قيادات تتبع المجلس الانتقالي وقيادات إسرائيلية، وهذا ينسجم والدور الذي تقوم به الإمارات في اليمن ولهذا يرى مراقبون سياسيون التحرُّكات الأخيرة للانتقالي كانت بدفع أمريكي بريطاني إسرائيلي، وليست أحداثاً عفوية أو مجرد أحداث متفرّقة بين ميليشيات محلية منقسمة ومتصارعة، بقدر ما هي إعادة خارطة تَموضُع النفوذ الإقليمي الدولي في اليمن، ما يضع البلد أمام واقع جديد يحيطه مستقبل ممزَّق مقسَّم..
وتَحدَّثوا عن لقاءات سابقة وتصريحات لرئيس المجلس الانتقالي عيدروس الزبيدي في أكثر من محطة، باستعداده للتطبيع مع إسرائيل مقابل الاعتراف بمشروعه الانفصالي ودولته الجنوبية.. وهذا مايفسّر سِر العلاقة والتحرُّكات الأخيرة للانتقالي نحو الفوضى في المحافظات الشرقية باعتبارها مناطق الثروة ومناطق جديدة يمكن أن تهيّئ لوجودها خصوصاً مع الصعوبة التي واجهتها قوات الانتقالي في تواجدها في هذه المحافظات ومناهضة الشارع والمجتمع الحضرمي والمهري لتواجدها، ولذلك كان لهم أن استغلوا هشاشة المجلس الرئاسي المغترب خارج الوطن، لتنفيذ لحظة الهجوم على حضرموت وإرهاب المواطنين واقتحام المنازل والمساكن وتنفيذ حملة اعتقالات وقتل والاستيلاء على مواقع حساسة ومنها مناطق الثروة النفطية.. وباتجاه إثارة الورقة الحدودية مع سلطنة عُمان ومحاصرتها ومعاقبتها لوقوفها مع حكومة صنعاء، وبالذات في إدارتها ووساطتها للمفاوضات السياسية وموقفها المحايد..

المُموّل واحد.. من حضرموت إلى الفاشر
إلى ذلك يشير الباحث والمحلل السياسي منتصر العماد، إلى أن أحداث وادي حضرموت خلال الأيام الأخيرة لا يمكن النظر إليها كوقائع عابرة، بل تبدو ــ وفق وصفه ــ “استنساخاً شبه كامل” لما شهدته مدينة الفاشر في السودان على يد قوات الدعم السريع.. ويرى العماد أن تكرار الأساليب والنتائج في الساحتين يشير إلى “مُموّل واحد” يقف خلف المشهدين..
ويؤكد العماد أن الإمارات تستخدم الأدوات ذاتها في عِدة مسارح إقليمية، الأمر الذي يؤدي ــ بحسب تقديره ــ إلى إضعاف مؤسسات الدول وخلق بيئة من الفوضى تُتيح فرض السيطرة عبر قوى محلية مسلحة..
وفي هذا السياق، يشير إلى تقرير نشرته صحيفة ميدل إيست آي البريطانية حول استخدام ميليشيا المجلس الانتقالي في اليمن أسلحة شبيهة بتلك التي حصلت عليها قوات الدعم السريع في السودان من أبوظبي..
وهو ما يؤكد ما ذهبت إليه تقارير متعددة عن امتلاك قوات المجلس الانتقالي معدات عسكرية متقدمة مصدرها الإمارات، من بينها مدافع هاوتزر صينية من طراز "AH-4" وآليات مدرعة إماراتية، ما يعزز ــ وفق قوله ــ اتجاهاً لفرض واقع انفصالي بالقوة..
ويرى العماد أن ما يحدث في حضرموت يدخل ضمن “مشروع إقليمي متكرر” يتجاوز حدود الصراع المحلي على النفوذ، ويضع المدنيين وموارد المحافظات في صدارة الاستهداف.. ويضيف: أن الإمارات تواصل توسيع نفوذها “من أقصى المغرب العربي إلى شرقي اليمن” بطريقة توحي ــ كما يقول ــ بالتعامل مع المنطقة كفضاء بلا سيادة حقيقية لشعوبها ودولها..
ويشير إلى أن ما جرى في حضرموت لا ينفصل، وفق قراءته، عن التدخلات الإماراتية في السودان وليبيا وغيرها من الدول التي شهدت صراعات وانقسامات وحروب وكالة، يُتهم فيها دور أبوظبي بالمساهمة في تغذيتها وتوفير غطاء يسمح باتساع الانتهاكات..

صِدام سعودي إماراتي
من جانبه قال الصحفي رياض الزواحي، إن الإمارات بدت، منذ اللحظة الأولى لإعلان التحالف لدعم الشرعية، وكأنها تتحرك في مسارين متوازيين؛ تُظهر التحالف مع السعودية من جهة، وتعمل على تشكيل مسارات موازية قد تتعارض مع مصالح الرياض من جهة أخرى..
ويشرح الزواحي أن أبوظبي نجحت خلال سنوات الحرب في بناء مراكز نفوذ داخل مدن يمنية عِدة، الأمر الذي ساهم ــ بحسب تقديره ــ في إعادة صياغة مسار الصراع وإغراق البلاد في مواجهات داخلية أضعفت مؤسسات الدولة وأثّرت على مستقبلها السياسي..
ويضيف: أن الإمارات تعمل حالياً على توسيع حضورها الجغرافي والسياسي بطريقة تطوّق السعودية من البر والبحر، سواءً عبر صحراء حضرموت أو من خلال نفوذها المتنامي في السودان على ضفتي البحر الأحمر.
قيادة المنطقة عبرتغذية الحروب..
وتسعى أبوظبي لترسيخ وجود طويل الأمد في اليمن بدور يشبه "شركة أمنية إقليمية" تخدم تحالفات غربية وإسرائيلية، بالتوازي مع استمرار دعمها لقوات الدعم السريع في السودان ضمن صراع إقليمي معقّد حول النفوذ والثروات..
فإن الدور الإماراتي في تغذية حروب الوكالة بعدة دول عربية خلق بيئات مضطربة تستخدم فيها القوى المحلية كأدوات لتمديد النفوذ، وهو ما وضع أبوظبي في حالة تنافس محتدم مع السعودية ومصر في منطقة البحر الأحمر والقرن الإفريقي.
يرى مراقبون أن الإمارات،تعمل على تعزيز حضور سياسي واقتصادي يتجاوز حجمها التاريخي والجغرافي.. فباعتبارها دولة حديثة التشكّل، تحاول تعويض ضعف تراكمها التاريخي من خلال الاستثمار المكثف في النفوذ الإقليمي، اعتماداً على قناعة بأن المال يمكن أن يصنع حضوراً سياسياً يفوق قدراتها الطبيعية..
ويخلصون إلى أن التداخل بين المال والسياسة يشكّل جوهر المشروع الإماراتي في المنطقة..
وفي لحظة، كمايقولون، تبدو التطورات الأخيرة على حدود السعودية امتداداً لسلسلة من الفوضى والانتهاكات التي تعمل الإمارات على إشعالها عبر أدوات محلية تعمل خارج مؤسسات الدولة وتستهدف توازنات المنطقة وأمنها.
وفي المحصلة، ومع تصاعد هذه الممارسات، تتزايد الحاجة إلى موقف إقليمي حازم يضع حداً لانفلات السلاح الإماراتي الموزع على ميليشيات وجماعات مسلحة، ويوقف نزيف الانتهاكات الإنسانية بحق المدنيين، ويمنع تحويل المناطق الحدودية مع السعودية إلى ساحات صراع مفتوح تهدد استقرار اليمن والمنطقة بأسرها.
تمت طباعة الخبر في: الثلاثاء, 27-أكتوبر-2026 الساعة: 10:36 ص
يمكنك الوصول إلى الصفحة الأصلية عبر الرابط: http://www.almethaq.net/news/news-68209.htm