بقلم/ عبدالله البردوني - كان شباب الخمسينيات من طلاب دار العلوم من صنفين، صنف لا يهتم بالمعاصرة بل يمقتها، وصنف لا يرى للقديم أي فضل وإنما يرى ثقافته ميتةً مثله، لأنها مجرد َحذلقة لغوية ومسائل
تحليل وتحريم، كما أشار لطف التهامي :
*الناس قـــــد بلغوا السمـــاك .. ونحن في زيدٍ وَ عَـمْرِ*
*أو في الوضوء وفي نواقضه .. وفي حيضٍ وطـــهرِ.*
ومن الفريقين تكوَّن فريق ثالث عرف للثقافة القديمة فضلها التأسيسي وللثقافة الجديدة قيمتها كثقافة عصر حي تتحدث عن أحياء ومن أحياء..
ومن هذا الرعيل المستبصر عبدالله حمود حمران..
* * *
ذكر عبدالله حمود حمران في الخمسينيات بعبدالله حسين العزب .. إذ جاء كلاهما من الحيمة وتربَّى كلاهما في مهد الفقر..
كان عبدالله حسين العزب طالباً بدار العلوم في الثلاثينيات وكان مضرب المثل في الكد وراء التحصيل العلمي، وكان مضرب المثل في قوة اللاقطة والحافظة وسرعة الاستبداه، كما كان ميولاً إلى القراءة الخاصة، إلى جانب منهج دار العلوم، وبعد أن اشتهر بالتحصيل والتثقيف الخاص، أحدث مفاجأة شعرية، إذ طلع على تلك البيئة بشعرٍ غير معهود على تلك البيئة، من مثل قوله في رثاء يحيى الإرياني:
*إن ذا المـــوت غاية المــــــيلاد .. فعلام الصدام في كل وادي*
*أي داعٍ دعا النفوس إلى الحزن .. وهـــذا ضرب من المعتادِ*
فكان هذا الرثاء الذي أبدعه العزب شديد الاختلاف عن شعر
المراثي التي تُطفئ الشمس على الفقيد وتُزلزل الكرة الأرضية
أسفاً عليه، على حين انطلق العزب من منظورٍ حياتي إلى الموت ومن تجربةٍ يومية، فكان رثاؤه من رؤية جديدة كما أنه صياغة جديدة..
بهذا كان عبدالله العزب في الثلاثينيات مَلْفت الأنظار لما حقق من تجديد في الشعر ومن لمحات نقدية في الكتابة، وكان ذلك الجيل يجد في نبوغ العزب غرابة بالقياس إلى والده الذي كان بطيئ الفهم نائم الذهن.. كذلك كان عبدالله حمران في الخمسينيات، كان يدرس في الصباح كطالب ويدرس في الأصيل والمساء كأستاذ ويعمل محامياً إلى جانب معارفه من أهل الحيمة.. ويقرأ ما وقع في يده من الكتب سواءً أكانت قديمة أو جديدة، وإن كان أميل إلى الجديد..
كان يخرج إلى مقايل القات تحت إبطيه ديوانان، ديوان الحماسة لأبي تمام، وديوان الجداول لإيليا أبي ماضي، فكان حمران
يجمع عصرين من عصور الشعر تحت إبطيه.
* * *
التحق عبدالله حمران بدار العلوم سنة 1950م، ولما كان تعليمه في كُتَّاب القرية ذي الفصل الواحد أمضى دراسة سنة في الشعبة التحضيرية التي تتمم دراسته الإبتدائية، وترشح للشعبة الأولى من دار العلوم ثم دخل الشعبة الأولى عام 1951م، وكان ترتيبه الأول في التحضيري وفي الشعبة الأولى، وفي السنة التالية أبدى مفاجأة لشيوخه وزملائه إذ امتحن دروس الشعبة الثانية والثالثة التي لم يلتحق بها فكان أول طالب اجتاز عامين
في عام واحد..
وفي سنة 1954م كاد أن ينقطع عن الدراسة كليا لاشتغاله بطلب عمل، لكي ينفق على أهله الذين مات عائلهم، وظل عبدالله حمران متنقلاً من باب وزارة إلى باب وزارة، ومن تعز، إلى صنعاء ومن الحديدة إلى تعز ومن تعز إلى عدن، ومن عدن إلى الخليج، ومن الخليج إلى صنعاء..
وفور رجوعه من الخليج عاد إلى مدرسة دارالعلوم فامتحن دروس الشعبة الرابعة صف أول بدون أن ينتظم في الدراسة، لأنه كان يأخذ الكتب من زملائه ويراجع في شهر ما قرأوه شهوراً..
توقف عند الشعبة الرابعة من الصف الأول وابتدأ مزاولة الشعر عام 1955م، وكانت الظروف ملائمة بفضل وجود صحف أسبوعية فتابع نشر قصائده في صحيفتي سبأ والنصر، وتبدّى في بواكيره متأثراً بأدب المهجر الأمريكي، وبإيليا أبي ماضي خاصة،ولما انفتحت الإذاعة في ذلك العام، لاح له بريق الأمل الحقيقي لكونه مثقفاً ولائقاً بالإذاعة صوتياً وثقافة، فتابع طلبه بلا خيبة وإنما على مواعيد متراوحة متجددة، لأن مدير الإذاعة محمد أحمد الشامي كان يعرف صلاحية عبدالله حمران
ويتخوف من النابهين سياسياً، لأن محمد الشامي كان على عهد
قريب من سجن حجة الذي ظل فيه أكثر من خمس سنوات، غير أن حمران لم ييأس، ولم يجد مرفقاً أنسب من الإذاعة لكون هذا المكان يبرز مواهبه ويحمله على المزيد من التثقيف، غير أنه لم ينجح في تلك الفترة، فحصل على تدريس الأدب في المدرسة الثانوية بمساعدة خاصة وبأجر شهري مقداره ثمانية ريالات..
وفي هذا الوقت عام 1956م قُبل في الإذاعة كمداوم ومشارك في العمل الإذاعي إلى أن يتقرر مرتبه من المقام في تعز..
وفي عام 1958م وصل من عدن النقيب العمالي محمد عبده نعمان فافتتح في إذاعة صنعاء برنامج (ركن الجنوب اليمني المحتل)، فأصبح عبدالله حمران زميلاً لمحمد نعمان في هذا البرنامج، وفرضت كفاءته على إدارة الإذاعة توظيفه، وبعد أن عمل سنتين بأجر زهيد مقداره ستة ريالات في الشهر، ولعل سبب قبوله موظفاً في الإذاعة يرجع إلى ما حققه من سمعة عند
المستمعين، ففي تلك الفترة سمّاه المواطنون أحمد سعيد اليمن..
وجرّت عليه هذه السمعة مشاكل عائلية، فحين سمعت والدته صوته في الإذاعة رتَّبت عليه ثروة من نقود الحكومة فغادرت الحيمة إلى صنعاء، فأضيف إلى حمران عبءٌ جديد، إذ لا يملك له ولوالدته ولا في مقدور نقوده استئجار بيت، لأنه كان مسرفاً في أكل القات ، كثير الديون كما كان يشكو، فأسكن والدته بالجراف حيث وجد كوخاً مجاناً، وظل بين العمل وقرية الجراف التي كانت بعيدة يومذاك..
ثم تلاحقت على عبدالله حمران طلبات الأخوات كما هي عادة أهل الريف في ذكر قريبهم عندما يتوسمون تحسن أحواله، وفي تلك الفترة كان عبدالله حمران منقطعاً للإذاعة إذ استغنت عنه
المدرسة الثانوية لأنه كان أستاذا مؤقتاً عن أستاٍذ غائب.. وقد شرح عبدالله حمران هذه الحال في مقطوعة شعرية بعثها إلى الإمام أحمد:
*يا إمام الأنام أرجو سماعـــــاً.. إن أمري كمـا ترون عجيبُ*
*أشتكي محنة الجنوب وعندي .. محنٌ لا يُطيقُهن الجــــنوبُ*
فلاقى استجابة وتعطافاً لأنه أجاد شرح الحال وأحسن التشبيه، فكيف يتظلم للشطر الجنوبي وهو يعاني ظلم البؤس وكثرة العائلة..
غير أن عبدالله حمران كان يوظف ذكاءه في عشرات المرافق، فكما كان يجيد قرض الشعر كان يحسن استيعاب الكتب وكما كان يجيد هضم الكتب، كان يحذق أساليب العلاقات مع الذين ينفعون، ففي عام 1959م تمكن من الحصول على إجازة من الإذاعة، والتحق بمراقبي عمال طريق صنعاء- الحديدة، فكسب
من هذا المرفق ما سد تكاليف بناء بيت في خلال شهور، إلى
جانب زيادة مرتبه في الإذاعة، إذ كان من الدرجة الأولى بفضل
حسن العلاقة بينه وبين المدير، فاستطاع أن يغلب صديقه الفقر في ظرف عامين.
ومن عام 1960م تنوعت أعماله الأدبية والإذاعية، فواصل نشر قصائده في صحيفتي النصر وسبأ.
وعمل في الإذاعة منفذاً وقارئ أخبار، وفي هذه الفترة عام1960م هدأ برنامج ركن الجنوب وذلك نتيجة فرار ثوار من الشمال إلى الجنوب، فكان الاتفاق على تبريد السخونة الإعلامية ضد الاستعمار أو إيقافها، فاختفى عبدالله حمران من برنامج ركن الجنوب، إذ لم يعد له وقت ثابت، وإنما كان خاضعاً لرياح
السياسة المتغيرة، فقدم عبدالله حمران بدلاً عن ركن الجنوب،برنامج (شخصيات أدبية) على مدى دورة إذاعية، ثم انتقل هذا البرنامج إلى آخر فكتب حمران برنامج (قصة الأسبوع)، وكان هو الذي يؤلف القصة..
فتجلى حمران قصصياً له مستوى أدبي جيد، إذ كانت قصته تعتمد على الموضوع أكثر مما تعتمد على الشروط الفنية، غير
أن أسلوبه القصصي تطور من قصة إلى قصة، فأنتج نحو خمسين قصة تخصصت للسماع الإذاعي ولم تنشر لا دورياً ولا في شكل مجموعة حتى الآن..
وكان عبدالله حمران يعرف أصول الأخلاق الإذاعية، فيتعاون مع كل الزملاء في تسجيل برامجهم، إلا أنه كان يأنف جهاراً من أن يسميه المذيعون زميلاً، ولكنه ظل لصيقاً بنفوس زملائه
قوي العلائق بكل الناس.
ولما قامت الثورة 26 سبتمبر أحدثت التحولات في كل المجاري الحياتية والسياسية، فتعين عبدالله حمران مديراً عاماً للإذاعة،ومن ذلك الحين تخصص بالإشراف على الأعمال الإذاعية
وبالأخص البرامج السياسية، وتجلى حمران كمعلق سياسي من مستوى رفيع، فكانت تعاليقه عنيفة الوقع والإيقاع.. فواصل إدارة الإذاعة وكتابة التعاليق والاتصال بالجهات العليا مدة سنتين ثم التحق بفريق الجمهوريين المعتدلين فزار السجن والمنفى.
وفي عام 1967م رجع إلى الحياة السياسية العليا وإلى كتابة التعاليق السياسية، لأن تنقله ظل إعلامياً من قبل ومن بعد، فتعين وكيلاً لوزارة الإعلام ثم وزيراً للإعلام ثم تعين ممثلاً شخصياً لثلاثة رؤساء ، وعلى علو هذه المكانة فإن عبدالله حمران ظل على صلة بكل أصدقائه، لم يتنكر ولم يتغير كما ظل على علاقة بعالم الكتب..
ومن عام 1978م تعاودته الأمراض فطلب منه أصدقاؤه نشر تعاليقه السياسية وأشعاره وأقاصيصه، فظل يواعد ويسوّف ولم ينشر غير مجموعة من شعره بعنوان (أنا وقلبي)، أما القصص والتعاليق فلا تزال تنتظر النشر، غير أن عبدالله حمران وقع في
الأمراض وفي جديد من المشاكل السياسية، فتعين للمرة الثانية سفيراً في السودان وكان شديد التعلق بتلك البلاد.. ولم يعد من السودان إلا إلى أحضان العلل المتعاقبة حتى أعيا الطب الذي قصده في أعلى مراكزه..
وكان عبدالله حمران يحس دنو أجله الذي يحث إليه السير وكان على شدة أمراضه على صلة بالقراءة حتى قطعه عنها هجوم الموت في مطلع الثمانينيات عن خمسين عاماً حافلة بالمرارات وبالتحصيل العلمي والتوسع الثقافي والإبداع الأدبي.
*من كتاب (ثوار في رحاب الله) للبردوني
صدر حديثاً عن الهيئة العامة للكتاب |