الميثاق نت -   <br />

الإثنين, 24-نوفمبر-2025
استطلاع/ عبدالرحمن الشيباني -
تمثّل الأحداث المفصلية في التاريخ السياسي لأي بلد نقطة تحول كبرى، لا يمكن تجاوزها والوقوف على مجرياتها بشيء من السطحية، أو تناولها بشكل لا يرتقي لمستوى الحدث من خلال سرد تاريخي يقلل منه بطريقة أو بأخرى أو تجاهله، بالرغم من أن هذا التحول أو المنجز السياسي عليه إجماع وطني منقطع النظير، غير أن هناك مَنْ ينحى منحى آخر وبات يلقى هجوماً ونقداً غير مسئول، والأمثلة كثيرة لا تحتاج لشرح، في الوقت الذي كنا نظن أننا قد تجاوزنا هذه الأطروحات فارغة المضمون..

ولعَمري هذه إحدى الآفات السياسية في المشهد اليمني المتقلب والمتحرك صوب مصالح إقليمية لا تريد لليمن خيراً، بحيث أصبح المشهد ضبابياً تكسوه سحب الأنانية التي تمطر نزيفاً وانهياراً مفجعاً على كافة الصعد، وأصبح الولاء الوطني مفككاً يدَّعيه البعض دون أن تكون هناك علامات على حدوثه في الواقع المعيش وينطوي عليه التزامات أخلاقية ووطنية توقف هذا التراجع المستمر.. في هذا الصدد يتعين علينا هنا أن نتساءل: لماذا لا تكون أعيادنا وأحداثنا الوطنية العظيمة نقطة التقاء وتقارب وردم الفجوات، واحترام حق الاختلاف والرأي فيما تناولنا لقضايا شتى يكون حدوده الوطن ليجمع هذا الشتات..؟
أردنا أن تكون هذه المقدمة المتواضعة مدخلاً للحديث عن ذكرى وطنية عظيمة يحتفل بها الشعب اليمني قاطبة، هي ذكرى الـ 30 من نوفمبر 1967م لتكون محطة تفكير لوعي سياسي ينظر للواقع بتفرُّعاته وتشعُّباته ويأخذ منه العِبَر، كما يُستلهم أيضاً عَظَمة المنجز الذي حققه الشعب اليمني، الذي جعل من بريطانيا العظمى تجر أذيال الخيبة، وترحل مرغَمةً بعد تضحيات جِسام خاضها الأبطال في جبال ردفان الأبية، جسَّدوا فيها معنى الحرية، وأنهوا عقوداً طويلة من الظلم والاستبداد..



يوم عظيم

كم نحن أحوج اليوم أن نتفحص بعناية هذا الحدث، ونستلهم مآثره، لا أن نسعى لإعادة عجلة التاريخ للوراء، واستدعاء الماضي بكل قبحه ومآسيه..
إن الـ30 من نوفمبر ليس يوماً عادياً بل هو إنجاز تاريخي بكل المقاييس؛ وعلينا أن نحيي شعلة هذه الذكرى العزيزة، فيوم الجلاء أعقبه انصهار السلطنات والمشيخات في كيان دولة واحدة وبه استُعيدت السيادة الوطنية والهوية السياسية، وبناء مؤسسات دولة مركزية مستقلة وجيش وتعليم وإدارة محلية منظمة..
تقول الصحفية زكية الفقيه، وبصوت مسموع: إن الـ30 من نوفمبر كل عام يأتي ليُذكّـر اليمنيين بيومٍ لم يكن عابراً في تاريخهم، بل كان محطة مفصلية أكّدت قدرة الشعب على كسر قيود الاستعمار واستعادة سيادته رغم قِلة الإمكانات وشراسة التحدّيات.. وتشير الفقيه إلى أنه اليوم، وبينما يواجه الوطن شكلًا آخر من أشكال السيطرة ومحاولات التقسيم والإنهاك الداخلي، تصبح العودة إلى هذا التاريخ أكثر من مجرد احتفال، وأكدت أن ذلك يُعد ضرورة وطنية وإحساس بالمسئولية تِجاه حاضر يتعرض للتمزيق ومستقبل يحتاج إلى الوعي قبل القوة.. ودعت الفقيه إلى إعادة هذا المنجَز للواجهة وتعميقه في الوعي الجمعي من خلال التركيز على الذاكرة الوطنية المشترَكة..

روح نوفمبر

لا يمكن لشعبٍ أن يقاوم واقع التفتيت إذا فقد ذاكرته.. إعادة سرد حكايات المقاومة، وتناقل قصص الشهداء والمناضلين، وتذكير الأجيال الجديدة بما دفعه اليمنيون من ثمن من أجل الحرية، يزرع بداخلهم إدراكاً أن الوطن لم يُبنَ بسهولة، وأن التفريط فيه ليس خَياراً، حيث إن ترسيخ المعنى الحقيقي للاستقلال
في كونه ليس حدثاً انتهى قبل خمسة عقود، بل هو مفهوم يتجدد، ما دام الوطن يواجه مشاريع السيطرة من أي طرف، فإن روح الثلاثين من نوفمبر يجب أن تبقى حيّة، وأن يُفهَم بأن الاستقلال لا يُقاس فقط بخروج مستعمر، بل بوجود إرادة وطنية مستقلة، وجبهة داخلية متماسكة، ووعي شعبي يرفض أن يُستغل أو يُوجَّه ضد ذاته، وإبراز مخاطر الانقسام أمام الجمهور بوضوح لأن التفتيت لا يبدأ من الخارطة، بل من الوعي، عندما تنهار الثقة بين أبناء الشعب الواحد، يصبح تمرير المشاريع الصغيرة أسهل، لذلك فإن مهمة الإعلام والنخب الوطنية اليوم هي كشف هذه المخاطر، وتوضيح أن أي اقتتال داخلي لا يخدم إلا مَنْ يريد لليمن أن يبقى ضعيفاً، وأن الضحية الأولى والأخيرة هو المواطن البسيط..

كرامة شعب

إن إحياء القيمة الأخلاقية والوطنية للمقاومة ليس يوماً سياسياً بقدر ما هو يوم إنساني يعبّر عن كرامة شعب، فإن استعادة هذه القيمة الأخلاقية في الخطاب العام سواءً في الإعلام أو المدرسة أو المنصات الرقمية تعزّز شعور الانتماء، وتخلق مناعة فكرية ضد خطاب الكراهية والانقياد للمشاريع الضيّقة، وربط الماضي بالحاضر بطريقة واقعية ومسئولة..
وأضافت الفقيه: "لا يكفي أن نقول إن الاستعمار القديم يشبه الحاضر، بل يجب توضيح كيف تتكرر الأدوات واستغلال الفقر، لصناعة الانقسام، بتغذية الصراعات المحلية، وإضعاف المؤسسات، هذا الربط الواعي يجعل المواطن يقف أمام الحقيقة.. إن معركة اليوم ليست جديدة، والشعب قادر على مواجهتها كما فعل أجداده..


تجديد العهد

إن أهمية الـ 30 من نوفمبر اليوم لا تكمن في أنه ذكرى تاريخية، بل في كونه فرصة لإعادة ترميم الوعي الوطني، ومناسبة لتذكير الجميع بأن اليمن أقوى عندما يكون موحَّداً، وأن العدو الحقيقي هو كل مشروع يسعى إلى تحويل أبناء الوطن إلى خصوم بدلاً من أن يكونوا شركاء في صناعة مستقبلهم..
وأشارت الفقيه في نهاية حديثها إلى أن مناسبة الـ30 من نوفمبر تُعد دعوة لتجديد العهد وعدم السماح لأي احتلال بشكله العسكري أو السياسي أو الفكري بأن يعيدنا إلى زمن الارتهان، وأن نستحضر من روح ذلك اليوم ما يكفي لنصنع مستقبلاً يليق باليمن وأبنائه..


كفاح الأجداد

بدوره يرى الدكتور مقبل العمر، أن الـ 30 من نوفمبر يمثّل يوماً تاريخياً يحتفي به شعبنا اليمني كذكرى سنوية وطنية لنيل الاستقلال؛ وتتمثل أبعاد هذا اليوم في كونه ذكرى للأجيال القادمة بكفاح أجدادهم من أجل الحصول على الحرية والاستقلال وغرس روح المواطَنة والمساواة والتحرُّر من المستعمر وحُب الوطن والذود عنه في مواجهة كل طامع.. ويشير الدكتور العمر إلى أن ذكرى الـ30 من نوفمبر تأتي لتذكّـرنا برحيل آخر جندي للمستعمر البريطاني من جنوب الوطن، في ظل وجود استعمار جديد بأدوات جديدة.. استعمار جاء تحت مسميات شتى ذات وجوه مختلفة وتحت شعار تحرير الوطن من أبنائه ونهب ثرواته واحتلال جزره وإفقاره وإذلاله وإذكاء الصراع بين أبنائه..

ويضيف العمر قائلاً: علينا في هذه المناسبة أن نوجّه رسالة للمستعمرين ومرتزقتهم في الداخل والخارج مفادها أنكم سوف ترحلون أقزاماً أذلاء كما رحلت بريطانيا العُظمى التي كانت تُوصف بأنها الإمبراطورية التي لا تغيب عنها الشمس، وستخرجون مدحورين مذمومين مهزومين إن شاء الله..


درب الأجداد

كم من الدول والأنظمة الاستعمارية تَكسَّرت مطامعها في بلادنا وتحطمت أحلامها في احتلالها ونهب خيراتها على صخرة الصمود الوطني والوحدة الوطنية والوعي الكبير..

ودعا العمر، وسائل الإعلام المختلفة والأحزاب السياسية والجامعات والمدارس وقادة الرأي في اليمن، إلى أهمية تعزيز الوعي المجتمعي بذكرى الـ30 من نوفمبر عام 1967م كذكرى تحرُّر وطني، واستلهام العِظة والعِبرة من أحداث التاريخ الكبيرة، والاتحاد في مواجهة الاحتلال الجديد المقنَّع حتى رحيل آخر جندي ومرتزق من المناطق المحتلة.. لافتاً إلى ضرورة أن تسير الأجيال على نفس الدرب الذي ساره المناضلون والشهداء صُنَّاع سبتمبر وأكتوبر ونوفمبر ومايو، وتجاوز كل المؤامرات والدسائس الرخيصة التي تُحاك ضد اليمنيين..


انعطاف كبير


المحلل والكاتب السياسي عبدالرقيب البليط يقول في هذا الصدد: إن ثورة الرابع عشر من أكتوبر عام 1963م مثَّلت ثورة الحرية والكرامة الإنسانية، والاستقلال من العدوان الاحتلالي الاستعماري البريطاني الذي كان محتلاً ومستعمراً للشطر الجنوبي من اليمن الحبيب لأكثر من مائة وثلاثين عاماً، وقد تلقَّى هزائم نكراء وخسائر فادحة في الأرواح والعتاد العسكري من قِبَل اليمنيين الأُسُود الأبطال الذين أجبروه على أخذ ما تبقَّى من حثالاته والرحيل إلى بلدهم بريطانيا..
وأضاف البليط: لقد كان الـ 30 من نوفمبر 1967م امتداداً للثورة الأكتوبرية، فسُمّي يوم الجلاء الذي شكَّـل انعطافة كبيرة في تاريخ اليمن الحبيب، كونه أدى إلى خروج ورحيل مَنْ تبقَّى من الضباط والجنود البريطانيين الحُثالة عائدين إلى بلدهم بريطانيا وهم يجرون أذيال الهزيمة والذل والهوان والانكسار لأنهم هُزِموا وتقهقروا من قِبَل مَنْ كانوا يُسمُّونهم بالحُفاة والعُراة..


ذكرى عظيمة

أولئك هم اليمنيون الذين استطاعوا أن يهزموا بريطانيا العُظمى وجيشها بكل ما يمتلكه من سفن وبوارج حربية وطائرات وأسلحة متنوعة متطورة، لكن اليمنيين الأُسُود الأبطال كانوا يمتلكون إيمانهم القوي والعميق بالله الملك سبحانه وتعالى متوكلين عليه ومتمسكين بكتابه القرآن الكريم وحُبهم لوطنهم اليمن الحبيب، ورغبتهم في الحرية ورفضهم المحتلين المستعمرين فانتصروا عليهم وعلى أسلحتهم وتكنولوجياتهم المتطورة وأثبتوا لهم أنها مجرد قششة لا قيمة لها، فاليمنيون شعارهم الحرية والكرامة الإنسانية والاستقلال والعِزة والشموخ والصمود والتحدّي والانتصار والنصر المبين.. وأشار البليط إلى أن هذه الذكرى السنوية الثامنة والخمسين للـ30 من نوفمبر تمثّل أيضاً محطة عظيمة لكل الشعب اليمني وتذكيرهم بما يجب أن يكون عليهم من واجب ديني ووطني لهزيمة وإخراج المعتدين المحتلين المستعمرين الصهيوأمريكي بريطاني أوروبي وسعوإماراتي للمناطق والمدن والجزر اليمنية المحتلة وتطهيرها من دنسهم ورجسهم وإلى الأبد.
تمت طباعة الخبر في: السبت, 31-أكتوبر-2026 الساعة: 05:48 م
يمكنك الوصول إلى الصفحة الأصلية عبر الرابط: http://www.almethaq.net/news/news-68113.htm