الميثاق نت -

الإثنين, 17-نوفمبر-2025
بقلم/ عبدالله البردوني -
في عام 1960م وصلت من القاهرة الطليعة الأولى من الضباط ظهَر منهم الملازم ومنهم الرئيس، وكان علي سيف الخولاني أظهر أولئك الخرّيجين نباهةً وتميُّزاً، لأنه اهتم بعد وصوله مباشرة بجماعات المثقفين ليتبنى هموم المثقف اليمني ونوع ثقافته ومقدار ارتباطه بالعصر الثوري، وكان علي سيف الخولاني يشتمُّ الأشخاص من خلال المذاكرة ومن سياق التثاقف، وكانت أغلب ثقافته من الأدب الروائي، إذ كان يروي أحداث الرواية الهادفة ونوع أبطالها وهدف المؤلف في الرواية، وكانت الروايات التي يُكثر الإشارات إليها والاستشهاد بها رواية تولستوي (البعث)، ورواية سارتر (دروب الحرية)، وثلاثيات نجيب محفوظ..



وكان يقول: "لا يمكن للأدب اليمني أن يحقق مستوى أدبياً إلّا بإنتاج الرواية".. وكان غريب الرأي في هذا لأن الرواية دون مستوى الشعر في كل الأعراف الأدبية لأن الرواية أغنى بالحِيَل الفنية وأقدر على تحريك الأبطال وفتح ميادين الصراع بما فيها الصراع الطبقي، ولم تظهر الرواية إلَّا نتيجة ثقافات ثرية أهمها الثقافة الشعرية، غير أن علي سيف ظل يعتبر الرواية كل الأجناس الأدبية وأفضل كل أنواع الأدب، فتبدى هذا منه تحيزاً منه نحو الرواية..



صحيح أن الرواية فن الصراع الاجتماعي أكثر من الشعر ومن القصة القصيرة، غير أن علي سيف ظل مصراً على الدعوة إلى الرواية وصنعها وكأن الفنون الأدبية تنبثق بالدعوات..!!





وهذ الميول التعصُّبي للرواية كفٍن منعزل عن محيط الثقافة والآداب ، يعطي المفتاح لشخصية علي سيف الخولاني كما سوف نرى..



* * *



كان المثقفون من ضباط ومدنيين يدعون إلى الأدب الهادف، أي المعبّر عن واقع الشعب، سواءً أكان ذلك الأدب شعراً أو مقالات أو قصة أو رواية،إلا أن علي سيف حصر ميوله على الرواية كمخلوق واقعي لا تشاركهُ في الواقعية سائر أنواع الأدب..



ولما التحق بالتعليم العسكري في الكلية الحربية التي فتحت من جديد عام 1958م ؛ انقطع حديثه عن الرواية والروائيين، واقتصر على العسكرية والعسكريين فاعتبر السلاح القوة التغييرية الوحيدة، ولا أثر للفنون القولية بكل أشكالها..



وهكذا انحاز إلى العسكريين قاطعاً الصلة بينه وبين الرواية،

فطالب بتخصيص برنامج في الإذاعة للقوات المسلحة..



وأراد علي سيف أن يكون ذلك البرنامج يوميا،ً غير أن إدارة الإذاعة عارضت هذا الطلب، لأنها كانت تذيع في الليلة ساعة

ونصف تنفتح في السابعة وتُغلق في الثامنة والنصف، وبعد شَدّ وجذب تقرر إذاعة برنامج أسبوعي للقوات المسلحة كان يكتبه ويؤديه جماعة من الضباط المثقفين من أمثال عبدالله السلال وعلي سيف الخولاني صاحب الفكرة..



وكان علي سيف في ذلك البرنامج منحازاً إلى القوات المسلحة

وكأنَّها قطاع مُميَّز على الشعب، مع أن أبناء القوات المسلحة

جاءوا من بيوت الفلاحين والحدادين والنجارين والباعة وصغار الموظفين، وكانت الكتابات المعاصرة تركز على الزعامات التي رقت من هذه البيوت كويلسن رئيس الولايات المتحدة الذي كان ابن حداد وكروزفلت الذي كان ابن فحام، وكتشرشل الذي كان ابن إسكافي..



فكشفت كتابات تلك الفترة أن الطبقات العليا غير قادرة على احتكار الزعامة السياسية، وكان سلامة موسى أكثر الكتاب ميولاً إلى تاريخ الطبقة المتوسطة والعمالية وأطوارها وأسباب تفوُّقها..



من ذلك الحين تعصب علي سيف لكتابة سلامة موسى بمقدار تحيزه للقوات المسلحة وأدب الرواية من قبل..



وفي مطلع عام 1962م كاد علي سيف العسكري أن يضيع في علي سيف الفنان، إذ امتزج بالفنانين الغنائيين، وتعصب للفن

الغنائي وللعزف على العود ، الذي كان أمهر عازفيه، حتى أن علي سيف تعصب إلى جانب الفنان محمد الخميسي عندما دعي للتسجيل في الإذاعة بمناسبة عيد الجلوس، فاشتدت بين علي سيف ووكيل مدير الإذاعة علي الفضيل الخصومة، لأن علي

سيف منع الخميسي أو حماه من سلطة الإذاعة.



وقيل في ذلك اليوم إن علي سيف هدد الفضيل بنسف الإذاعة بالقنابل، فتسببت هذه الحقيقة أو الوشاية في سجنه بسجن حجة الذي ظل فيه حتى إشراق الثورة..





* * *



كان لسجن علي سيف مردود نافع على الثورة، فعندما تمكن البدر من الفرار من صنعاء، أراد أن يلجأ إلى حجة كما فعل أبوه في 1948م، وكما فعل البدر نفسه إبَّان الانقلاب على أبيه في 1955م، حتى تبدَّت حجة الملجأ الحصين للبدر وأبيه، وعند اقتراب البدر من حجة، بعد ثورة سبتمبر، لاقاها أمنع من أن يدخلها، فقد أجاد علي سيف الخولاني ترتيبها من كل الجوانب، فما كاد البدر ومن معه يقتربون من حجة حتى أحدقت بهم النيران من عدة مواقع، فظل البدر يحوم حتى أخذه القنوط من حجة، لأن احتلالها أصبح مستحيلاً وذلك بفضل ضابطين كانا سجينين هما علي سيف الخولاني وهاشم الحوثي..



تعيَّن علي سيف قائداً لحجة لمدة شهور، ثم عاد إلى صنعاء إبان ظهور معارضة تزعمها محمد محمود الزبيري آخر 1963م..



ولكنه لم ينضم إليها وإنما انضم إلى تجمع آخر تسمى جمعية الشباب، غير أن تنظيم القوميين العرب نشر في قواعده وفي الجماهير الغاية من تشكيل جمعية الشباب واتهمها بالرجعية أو بالموقف الوسط بين الجمهورية والملكية..



وكان علي سيف الخولاني أعنف أبناء الجمعية غيرةً عليها، إذ كان يشتبك مع كل من يناوئ الجمعية أو يتهمها أو يرفض الانضمام إليها..



وكعادته انحصر في هذه الجمعية لا يتحدث إلَّا عن مزاياها ولا يتحرك إلَّا منها وإليها ولا يخاصم إلَّا معاديها..

ولما فرَّ مؤسّسو الجمعية بزعامة إبراهيم بن علي الوزير نشأت جمعية أخرى غير سياسية وإنما جمعية فنية، فانقطع علي سيف عن الجمعية الأولى وتحمس للجمعية الفنية.. وإذا كل اهتمامه منصب على الجمعية الفنية وكأنَّها ُكل عالمه..!!



* * *



ولما تَبدَّد الفنانون والتحقوا كموظفين في الإذاعة أو في مرافق

أخرى سكت علي سيف غير معارض لشيء وغير متحمس لشيء..



حتى جاءت فكرة لقاء الملكيين والجمهوريين في حرض عام 1966م، فتبدى ألد الجمهوريين على الملكيين.. وبدا ذلك اللقاء وكأنه ميدان قتال لا مائدة حوار..!!

وظل حديثه عن مؤتمر

حرض وعن موقف الجمهوريين في مؤتمر حرض وعن تواطئ

الجمهوريين وبعض الملكيين ضد الجمهورية والملكية..



وهكذا بدا مؤتمرياً لا ينتمي إلى غير المؤتمر ولا يصدر عن غيره ..!! ولم ينسَ المؤتمر إلَّا بعد اندفاعه ثانياً في حياة الفنانين ورفاهية أصدقاء الفن، فلم يعد إلى جانب شيء أو ضد شيء

لانغماسه في الحياة الفنية ورفاهيتها حتى آخر عام 1966م..



هناك انبعث تيار وطني ضد العسكرية المصرية، فكان علي سيف شعلة حماسية في هذا الاتجاه، منطلقاً من الفن.. فلـحَّن وغنَّى أشهر أغنية إلى اليوم، والتي مطلعها (موطني يا منتهى الآمال يا كل الأماني... حسب من عنك تغابى أنك الشعب اليماني) ..



فكاد علي سيف الفنان أن يطوي علي سيف العسكري السياسي

والمثقف الروائي الثوري..



* * *



من عام 1968م انفتح المجلس الوطني ثم مجلس الشورى، وكان علي سيف عضواً في المجلسين فانتقل حماسه من الفن إلى الانتخاب الشعبي ونزاهته وأحقيته للعضوية في المجلسين وبالأخص مجلس الشورى الذي قام عن انتخاب صوري عكس المجلس الوطني الذي كانت عضويته بالتعيين..



ولما رأى المجلسين لا يحققان اسميهما كمجلسين تشريعيين كان ارتباطه بمجلس الشورى اسميا،ً فانتقل إلى جانب آخر هو الجانب الزراعي ، بادئاً بما ورث من أراضٍ استصلحها..



هناك انحصر في الزراعة وفي إطار المزرعة فلا يتحدث إلا عن فضل الزراعة ولا يشيد إلَّا بالأرض الزراعية ولا يمتدح إلّا العمل الزراعي..



وكان يُحسن وصف ما يحب حتى يفوق كل القائلين، لأنه كان يملك الكلمة، فكان حسن التحدث بليغ الخطاب.. فلم يتخل عن الجانب الأدبي الثقافي في أي موضع أراده.



إلى جانب هذا فإنه كان متقلب المزاج مزواجاً مطالقاً فما سبب

هذا؟



* * *



لعل أهم أسباب تقلباته أنه كان قلقا طامحاً، يريد تحقيق المستحيل، ويحاول تجاوز الممكن إلى المحال.. وعندما يفشل يتسلى بالفنون، بالعبادات، بالزواج والطلاق، وربما كان طامحاً فأنقصته وسائل نجاح طموحه فانعكس قلقه على كل حياته، فكان عسكريا وفناناً ورفاهياً وأحياناً زاهداً يفوق الزهاد..



ففي شهور رمضان كان ينقطع للجامع وكأنه إبراهيم بن أدهم..

ثم يتحول عن الزهد إلى مجال فني أو تنظيمي أو زراعي، وكأن لا صلة بينه وبين الزهد كعادته في الانحصار في المجال

الذي يختاره حتى يدخل سواه، فينسى الأول نهائياً..



إنه نموذج راٍقٍ من الشخصيات القلقة، وثوري بعيد النظر لو تهيأت له الظروف أو لو اقتدر على صنع الظروف..



غير أن القلق الذي لازمه وعدد شخصيته حرمه تحقيق بروز شخصيته المرموقة، إذ كانت تتعدد شخصيته إلى شخصيات، فكان واحداً ينطوي على أفراد ، وكان في كل حياته قوي الإخلاص للوطن لا ينتقل من مجال وطني، إلَّا إلى مجال يراه أنفع للوطن، حتى انتقل إلى رحاب الله الأوسع عام 1979م. تاركا آثاراً في كل مجرى من حياته البطولية المتعددة.





من كتاب (ثوار في رحاب الله) للبردوني

صدر حديثاً عن الهيئة العامة للكتاب
تمت طباعة الخبر في: السبت, 31-أكتوبر-2026 الساعة: 05:49 م
يمكنك الوصول إلى الصفحة الأصلية عبر الرابط: http://www.almethaq.net/news/news-68072.htm