الميثاق نت -

الإثنين, 17-نوفمبر-2025
استطلاع/ عبدالرحمن الشيباني -
يُعرَّف العنف بحسب علماء النفس، بأنّه أي سلوك مُؤذٍ للآخرين سواءً أكان جسديّاً، أم نفسياً أم لفظياً.. والعنف له آثاره السيئة في الفرد والمجتمع، وهو ما بات واضحاً اليوم، وقد
لا يتصور الفرد مِنا مقدار الكم الهائل من الانحراف الحاصل في الفضاء الرقمي.. وفي نظرة خاطفة لما تموج به وسائل الإعلام المرئية والمسموعة ومواقع التواصل الاجتماعي، ستدرك كمية هذا العنف اللفظي والتعبيري، خصوصاً في اليمن التي تشهد حرباً ضروساً، عنف وتَنمُّر من نوع آخر، حيث التحقير والتخوين والسب والقذف مفردات تعزّز حضورها في وسائل الإعلام المختلفة خصوصاً الرقمية منها، بشكل لا يمكن تصوُّره..

لم يعد هناك ضوابط ولا أخلاقيات؛ هنا يمكن أن تحكم هذه الوسائل التي فقدت مهنيتها وراحت تخوض معارك بعيدة عن ميدانها المُفترَض، الأمر الذي يستدعي التعجيل بوضع منظومة أخلاقية تحافظ على أخلاقيات المجتمع وتصون أعرافه وتقاليده جراء هذه الحملات الإعلامية، التي تعمل على تسميم الجو العام بخطاب الكراهية والتحريض وتنسف بنيانه، وازاء ذلك لا بد من تحرُّك عاجل من خلال إعلام مستنير ينتصر لمهنيته ويصون المجتمع ويدافع عن قِـيَمه.. ما يجري اليوم انفلات في الفضاء الإعلامي بتعدُّدات وسائله واتجاهاته، وهذا الأمر نتيجة طبيعية للحرب التي تجري رحاها في بلادنا، وأفرزت ما نشاهده اليوم من نزيف إعلامي، ودعونا نطلق عليه هذا المصطلح كأقرب تعريف لما يحفل به إعلامنا.. مناهض للعقل..
إذاً، ظاهرة العنف اللفظي والتنمُّر الإلكتروني في وسائل التواصل اليمنية أصبحت ظاهرة للعيان.. نحاول هنا أن نعرف ما أسبابها؟.. وكيف لهذا الخطاب المنفلت أن يصل إلى هذا المستوى من الإساءة والتجريح دون أن يكون له أي كابح؟.. وما أثر ذلك على النسيج المجتمعي والوطني والأخلاقي؟.. وما دور الإعلاميين والمؤسسات المعنية في مواجهة هذه الظاهرة ؟..



"الميثاق" طرحت هذه التساؤلات أمام المختصين في مجال الإعلام بمختلف اتجاهاتهم.. وكانت البداية مع الصحفي الاستقصائي عادل عبدالمغني، وهو أيضاً مدير تنفيذي لمؤسسة منصة للإعلام والدراسات التنموية؛ وكان تقييمه لما يحصل، أنْ أبدى أسفه لما يحصل، حيث يرى أن هذا الخطاب المناهض للعقل والمنطق والسلم الاجتماعي يتصاعد بشكل مخيف، ويرده عبدالمغني لما أسماه الاستقطاب السياسي والاجتماعي الحاد
وغياب الوعي القانوني وضعف المهنية الإعلامية والافتقار لثقافة الحوار.. ولا نغفل هنا الأسباب النفسية والضغوطات الاقتصادية التي خلقتها الحرب المستمرة في البلد منذ نحو عقد من الزمن..
ويضيف عبدالمغني: لقد أنتجت الحرب والانقسامات في اليمن بيئة رقمية منفلتة وحاضنة لخطاب الكراهية والتحريض على العنف والتجريح والإساءة..


تأثير سلبي

عن انعكاسات ذلك الخطاب المنفلت على المجتمع، قال عبدالمغني: بخصوص الأثر على المجتمع فهو بلا شك تأثير سلبي انطلاقاً من أن خطاب الكراهية والتجريح خطاب هدَّام على المجتمع والدولة، ويعمل على إطالة أمد النزاع في البلد، فالحروب تبدأ بالكلمة قبل الرصاصة.. وهناك تأثيرات سلبية أخرى على النسيج المجتمعي وإضعاف الهوية الوطنية وتفكيك منظومة القِـيَم المشترَكة..


خطاب مضلل

يقع على عاتق الإعلاميين مسئولية كبيرة في الحد من هذا الخطاب الهدَّام، واستبداله بخطاب مهني أخلاقي، وتوعية المجتمع بخطورة خطابات الكراهية والتحريض والتجريح، والتصدّي للخطاب المزيَّف، ومواجهة حملات التحريض المغرضة، وكذا مواجهة التضليل الإعلامي.. وعن دور المؤسسات الإعلامية في التصدّي لهذا الخطاب يقول: الدور يتعاظم بالنسبة للمؤسسات الإعلامية، من حيث التوعية والمواجهة بهذا الخصوص، وكانت لنا في مؤسسة منصة للإعلام والدراسات التنموية تجربة جيدة في هذا المجال، حيث نفذنا بالشراكة مع منظمة اليونيسكو برنامجاً لمواجهة خطاب الكراهية والتحريض على العنف في اليمن عام 2018م، وكان من أوائل المشاريع حول هذا الجانب في اليمن؛ وعقدنا ورش عمل مع مسئولي وسائل الإعلام في صنعاء وعدن للحد من خطاب الكراهية والتحريض..


انتشار مخيف

الكاتب الصحفي شوقي شاهر، يرى أن هذه الظاهرة قد انتشرت دون هوادة، ويعود سبب نشوئها أولاً وفق مقولة دارجة في الحياة العامة "مَنْ أمِنَ العقاب أساء الأدب".. لافتاً إلى أن بروزها بهذا الشكل أيضاً بسبب غياب القوانين والتشريعات، وعدم تطبيق القوانين النافذة ولو في أدنى حدودها.. وحذَّر شاهر، من أن خطورتها تأتي ضمن توجهات تصدر من جهات أو مؤسسات، وليس بِناءً على اجتهادات أو توجهات فردية، وهو الأمر الذي يجعله أشد خطورةً..
وأضاف: هذا يعني ان هناك أحداثاً وقعت، خلَّفت تصدعات وشروخاً عميقة في بنية وجسد المجتمع يصعب مع الزمن إيقافها والحد من نتائجها السلبية.. ومن هنا فإنه يجب على الإعلاميين النأي بأنفسهم عن مثل هكذا تصرف الذي يكاد أن يفتك بنسيج المجتمع الذين هم أساساً جزء منه يؤثّرون ويتأثرون به ومنه.. مشيراً إلى أنه يجب أن تقابل الحُجج بالحُجج، والأفعال وردود الأفعال بالبراهين والشواهد الحية، لا بالانغعالات وردود الأفعال غير المحسوبة، ولا سيما ردود الأفعال النابعة من المصالح الخاصة والولاءات الضيقة..


ظاهرة سيئة

الكاتب والصحفي أنس القاضي، يرى أن
التنمُّر اللفظي والإساءة.. إلخ هذه الكلمات البذيئة، أو التشهير أو الطعن في الدين والعرض والأخلاق والوطنية، ظاهرة اجتماعية موجودة تاريخياً، وهي ظاهرة سيئة في طبيعة الحال؛ والمجتمع كان قادراً على التعامل معها ويديرها في ظل دور الأسرة في التربية والأهل والجيران وسكان الحي أو القرية المُعينة، فلا تصل إلى درجات حرجة.. لافتاً إلى أن التطور التكنولوجي زاد من حِدة هذه الظاهرة..
ويضيف القاضي: الفرد عادةً عندما يلتقي بفرد آخر وجهاً لوجه وفي ظل وجود آخرين، يكون هناك نوع من حاجز الحياء، مهما كان الفرد بذيئاً وقاسياً تظل هناك مقادير من الحياء أو حتى الأقل محاذير من خوف التعرُّض للعقوبة سواءً أكانت جسدية أو عزل المجتمع له.. وسائل التواصل الاجتماعية أتاحت للفرد أن يقول ما يريد بعيداً عن الرقابة والحساب وحواجز الحياء والخوف، وبعيداً عن الشخص الذي توجَّه إليه الكلمات النابية.. مشيراً إلى أن الفرد في هذه المرحلة التي يسمّيها بـ(التكنولوجية) أصبح البعض يمارس هذا السلوك تجاه أناس لا يعرفهم أولاً ولم يلتقِ بهم يوماً في حياته، وهذا أمر لم يكن ممكناً في السابق قبل التطور الالكتروني..


تعقيد المشهد

عند الحروب والأزمات السياسية يصبح التنمُّر جزءاً من النشاط السياسي في إطار الهجوم والدفاع، وهذا أمر خطر، إذ يحوّل الخلافات السياسية إلى عداوات دائمة ويُعقّد المشهد ويصنع حواجز بين القوى والأطراف السياسية سواءً المتحالفة أو المتخاصمة.. يؤثر على الوحدة الوطنية حين يأخذ هذا السلوك طابعاً جهوياً مناطقياً مذهبياً عِرقياً عنصرياً..
ويرى القاضي أن التعليم والتربية والتهذيب في الأسرة والجامع والحي، حل لهذه الظاهرة، لكنه يعود فيقول: لكن أيضاً لا بد من تطوير التشريعات وإدخال الجريمة الإلكترونية في قوانين الجرائم والعقوبات.. والجريمة الإلكترونية متعددة منها السرقة، ومنها التحرُّش بالناس، ومنها أيضاً التنمُّر والبذاءة والتحقير والتشهير.. من المهم أن تتطور التشريعات الوطنية لحماية الفرد في هذا الفضاء خصوصاً وأن حضور الناس ولقاءاتهم داخل وسائل التواصل تكاد تضاهي لقاءاتهم في الحياة اليومية في الشارع والسوق ومكان العمل..


تَـيْهٌ إعلامي

الناشط الإعلامي أصيل نايف حيدان، يصف السوشيال ميديا بشكل عام بأنها تيهٌ ولم يعد هناك محتوى هادف يصعد للجمهور وينال الشهرة المطلوبة وجودة محتواه، بل أصبحت محتويات وسائل التواصل الاجتماعي التي تنمو وتشتهر، تلك المحتويات التافهة التي تتوّه بالمشاهد أو القارئ وتبعده عن كل ما يهدف لمواجهة الخطر الذي تواجهه هذه الأمة جراء هذا الغزو الفكري والإعلامي.. ودعا حيدان جميع الناشطين على وسائل التواصل الاجتماعي إلى توجيه بوصلتهم باتجاه المحتوى الهادف بحيث تتجه الخوارزميات في السوشل ميديا إلى إظهار كل ما هو هادف ومفيد..


جذب المتابع

عند مشاهدة المحتويات التي تظهر في هذه الفترة والإعجاب بها يصبح كل ما يظهر له محتويات مشابهة لها جراء الخوارزميات التي تحدد ما ينجذب له المتابع.. هناك الكثير من الصفحات المفيدة سواءً على الصعيد السياسي أو الاجتماعي أو الترفيهي أيضاً.. ويعزو أصيل هذا المحتوى الهدام للخطة المعدة سلفاً من قوى عالمية تهدف إلى ضرب المجتمعات بهذا المحتوى، لكي تظل الأمة في تيه وظلال وإظهار كل ما تريد أن تغزو الأمة به عبر الانحلال سواءً أكان أخلاقياً أو قِيمياً عبر ما يتم عرضه..
ويختتم بالقول: ظواهر غير طبيعية تنشأ في وسائل التواصل الاجتماعي، والأجدر بروادها الوعي بما يُبث ولمَنْ يُرسل".
تمت طباعة الخبر في: السبت, 31-أكتوبر-2026 الساعة: 07:24 م
يمكنك الوصول إلى الصفحة الأصلية عبر الرابط: http://www.almethaq.net/news/news-68070.htm