الميثاق نت -

الأربعاء, 01-أكتوبر-2025
استطلاع/ قسم التحقيقات -
تُعتبر منظمات المجتمع المدني أحد الأجهزة الرقابية غير الرسمية، التي تضطلع بدور كبير في الرقابة والمحاسبة والتوعية أيضاً، كما أنها تقوم بغرس الكثير من المفاهيم السياسية والاجتماعية والاقتصادية، وتقدم رؤيتها الخاصة للسلطات حيال قضايا شتى، ويعتبرها البعض رديفاً للسلطة في الحكم..

اليوم تعاني هذه المنظمات من تراجع كبير في أدائها، متَّهمةً بالفساد، ووجودها أدى إلى الاتكالية وعدم الاعتماد على الذات، ومع هذا فإن البعض يعطيها العذر في توقُّف أنشطتها ومحدودية تأثيرها جراء الوضع الاستثنائي الذي تعيشه اليمن، وفي الجانب الآخر هناك من يرفض مثل هذا التبرير، كون الحاجة لها ملحة في الوقت الحاضر، لأن تفعيل دورها والحاجة إليها أصبحت مُلحة أكثر من أي وقتٍ مضى، خصوصاً في الجانب الاقتصادي والمعيشي الذي تستفيد منها شريحة واسعة من سكان اليمن، الذين يعانون من انعدام الأمن الغذائي والذي أخذت رقعته تتسع بشكل مخيف..

وفق بيانات أممية حديثة، فإن أكثر من 21.6 مليون شخص، أي 75% من سكان اليمن، يحتاجون إلى مساعدات، منهم 17 مليون شخص في فقر مدقع نتيجة انعدام الأمن الغذائي..
البنك الدولي يقول إنه في مايو الماضي انخفض الدعم المقدم لليمن من 5.2 مليار دولار عام 2015م، إلى 2.4 مليار دولار عام 2022م.. وقال البنك إن اليمن يُعد من بين أكثر 8 دول عربية هشاشةً نتيجة الصراعات المستمرة، كاشفاً عن انخفاض الناتج الاقتصادي للفرد بمعدل 1.8 في المائة سنوياً منذ اندلاع الحرب، في مؤشر خطير على الانهيار الاقتصادي والمعيشي المتواصل.. وفي هذا السياق، كشفت لجنة الأمم المتحدة الاقتصادية والاجتماعية لغرب آسيا (الإسكوا) عن أن اليمن لا يزال يعاني من مستويات مرتفعة من الفقر متعدد الأبعاد، مؤكدةً عدم إحراز أي تقدُّم يُذكر للحد من هذه الظاهرة خلال العقد الماضي، وذلك نتيجة استمرار الصراع وتأثيراته الكارثية..

وأكّدت اللجنة الاقتصادية الأممية، في تقرير حديث، أن اليمن يأتي ضمن قائمة البلدان العربية الثلاثة الأقل نموّاً إلى جانب موريتانيا وجزر القمر؛ حيث تستمر معدلات الفقر متعدد الأبعاد في الارتفاع، رغم بعض التقدم الملحوظ في دول أخرى خلال الفترة بين 2013 و 2023م..


تضافر الجهود

الناشطة المجتمعية د. أحلام القباطي تحدثت لـ "الميثاق" عن دور المجتمع المدني في مواجهة الفقر، حيث قالت: "إن منظمات المجتمع المدني والشخصيات البارزة والطبقة المثقفة في المجتمع عناصر أساسية في التصدّي للفقر والدمار الذي تعاني منه الدول التي أنهكتها الصراعات والحروب، مثل اليمن"..
وأكدت "أن الدور يتجلى بشكل خاص في ظل الأزمات الإنسانية والاقتصادية والاجتماعية والمؤسسية التي تعيشها البلاد، حيث يتطلب الوضع الراهن تضافر جهود القوى المدنية للمطالبة بتوفير الأمان والاستقرار، وإعلان الصلح الوطني العاجل"..
وأشارت إلى "أنه من الضروري أن تُسهم هذه الجهود في توفير وتفعيل الخدمات الأساسية والتعليم، والصحة، والكهرباء، والمياه، والطرق الآمنة.. كما يجب الأخذ بعين الاعتبار أهمية تعزيز التماسك الاجتماعي والتعايش وقبول الاختلافات بين أفراد المجتمع"..
وأضافت قائلةً: "يلعب المجتمع المدني دوراً محورياً في تعزيز الوحدة والتضامن بين مختلف فئات المجتمع، ويعمل على الدفاع عن حقوق المواطنين، مما يعكس أهمية بناء قدرات الأفراد وتمكين المجتمعات المحلية من خلال برامج تدريبية لبناء القدرات"..


ضعف مؤسسي

ونوَّهت الدكتورة أحلام القباطي إلى أنه "رغم هذه الأهمية، تواجه المنظمات المدنية في اليمن تحدّيات متعددة، تأتي الحروب المتتالية والحصار المفروض والصراعات الداخلية المستمرة على رأس هذه التحدّيات، حيث تتعرض المنظمات لمضايقات؛ بالإضافة إلى ذلك أدت اقتصاديات الحرب إلى انهيار اقتصادي شامل، مما خلق صعوبات مالية تعيق حصول المنظمات على التمويل اللازم.. إلى جانب الفساد الذي طال أيضاً أغلبية المؤسسات الرسمية والمدنية"..

وأضافت القباطي: "أن المنظمات تأثرت بالعقوبات المالية والاضطرابات الاقتصادية، مما يزيد من تعقيد عملها، كما أن الفساد المستشري ساهم في التلاعب السياسي، حيث تم استخدام بعض المنظمات كأدوات سياسية من قِبَل البعض، يُضاف إلى ذلك ضعف البنية المؤسسية وخدمات البنية التحتية، مما يستدعي تعزيز قدرات المنظمات محلياً"..


تمويل مستديم

وتؤكد الدكتورة أحلام، أن السياق السياسي في اليمن يتسم بالتعقيد، حيث تعمّق منهجية الفساد المشرعن الأزمة السياسية والصراع، كما أن القيود القانونية والتنظيمية قد تَحُد من حرية عمل المجتمع المدني، مما يستدعي تعزيز الجهود من مؤسسات ومنظمات المجتمع المدني النزيهة للتغلب على هذه التحدّيات، ويجب تعزيز الشراكات بين المنظمات المحلية والدولية والجهات المانحة لدعم التطوير المؤسسي وبناء قدرات المنظمات المحلية.. من الضروري أيضاً السعي نحو إيجاد تمويل محلي مستديم يضمن استدامة أعمال مؤسسات المجتمع المدني..

ولفتت القباطي إلى "أن المساءلة وتحسين الشفافية داخل المنظمات تُعد من الأمور الحيوية، إذ يُلاحَظ أن العديد من المنظمات تستغل الأوضاع الإنسانية للنهب المالي، مما يعيق جهود التنمية الحقيقية، لذا يجب أن تُعزز المساءلة والتقييم الدوري للأعمال المنفَّذة لضمان فعالية البرامج المقدَّمة وتمكين الأفراد من الاعتماد على أنفسهم بشكل عام..

الدكتورة القباطي أشارت في نهاية حديثها لـ "الميثاق" إلى "أن دور المجتمع المدني في اليمن حيوي لمواجهة الفقر وتحسين الأوضاع الإنسانية، ويتطلب ذلك دعماً محلياً ودولياً لتعزيز قدراته وتجاوز التحدّيات التي يواجهها.. إن أهمية المساءلة والشفافية والتقييم الدوري للأعمال المنفَّذة تبقى أمراً أساسياً لضمان نجاح هذه الجهود وتمكين الأفراد والمجتمعات من النهوض بحياتهم دون الاعتماد المستمر على المساعدات الخارجية"..


قصور كبير

الناشط مختار محمد الوصابي يرى ضرورة أن تقوم منظمات المجتمع المدني بدورها المهم من أجل التخفيف عن معاناة الناس.. ولفت إلى أن هناك قصوراً كبيراً في هذا الشأن، وقال لـ "الميثاق": هناك دعم لهذه المنظمات يأتي من المانحين لا نرى له أثراً على أرض الواقع، فالنفقات التشغيلية لهذه المنظمات ما زالت تستحوذ على معظم الدعم والذي من المفترَض أن يكون في مكانه الصحيح.. هناك أسر معدومة تعيش على الكفاف لا يصلها شيء.. لقد أصبحت المنظمات الخارجية تتاجر بمعاناة المحتاجين في الدول التي تشهد حروباً ومنها اليمن، وهي مستفيدة من الوضع فهي من جهة أخرى تمارس فساداً منقطع النظير مع تلك الحكومات وتتقاسم تلك المعونات، وما يجري في أفريقيا خير دليل على مستوى الفساد الذي تمارسه تلك المنظمات، وفي ظل خفوت منظمات المجتمع المدني التي تمارس الازدواجية..


مفاهيم غائبة !!

الناشطة في مجال منظمات المجتمع اليمني أماني القدسي تقول: "يعرف الجميع أن منظمات المجتمع المدني لها دور بارز في تسليط الضوء على مفاهيم شتى كانت غائبة لدى المجتمع، مثل مفهوم المواطَنة والحقوق والحريات والتعايش والاعتراف بالتنوع والاختلاف واحترام الرأي، كما لعبت وسائل الإعلام دوراً في تعزيز هذه المبادئ وتأصيلها لدى أفراد المجتمع.. أردتُ بهذه المقدمة الدخول في الموضوع المطروح، وأقول إن هناك التباساً من البعض وتجنّياً لدور وعمل منظمات المجتمع المدني، لأنها ببساطة لا تملك عصا سحرية لتغيير الواقع، وليست لها سلطة نافذة على الأرض، لكنها قد تكون قوة ضاغطة باتجاه تحقيق العدالة، لكن هذا لا يعني أن ليس هناك تجاوزات تحصل من قِبَل هذه المنظمات، خصوصاً التي تعمل في الجانب الإغاثي والإنساني.. تبقى هذه المنظمات مرتبطة بهذا الإطار بقوى خارجية لها أجندتها الخاصة تحاول تحقيقها مستغلةً الظروف القاسية التي يعيشها اليمنيون..
القدسي شددت على ضرورة وجوب الرقابة على عمل هذه المنظمات، حيث قالت: "على الدولة أن تقوم بدور الرقيب".. لكنها استدركت بالقول: "على أن لا تُستغل سلطتها هنا في إضعاف دور هذه المنظمات طالما وهي تعمل تحت المجهر وتقدم بياناتها بشكل صحيح"..
وأشارت إلى أن هناك منظمات اكتسبت سمعة طيّبة في دفاعها عن قضايا الناس، وتقوم بوعي قانوي وحقوقي مهم، وأعتقد أن هذا المفهوم لم يتبلور بعد في اليمن ويحتاج لوقت.
تمت طباعة الخبر في: الأحد, 01-نوفمبر-2026 الساعة: 12:56 ص
يمكنك الوصول إلى الصفحة الأصلية عبر الرابط: http://www.almethaq.net/news/news-67924.htm