استطلاع/ عبدالرحمن الشيباني - اليمن كانت خارج الجغرافيا والتاريخ قبل قبل ثورة 26 سبتمبر حقيقة لا يمكن إنكارها، فسنوات العزلة التي عاشها اليمنيون كانت قد أخذت نصيبها منهم على كافة المناحي والصعد، وأفرزت واقعاً بائساً كان لا بد من تغييره، لذلك كانت الحاجة ملحة من أجل قيام ثورة جذرية، فجَّرت محولات كثيرة للإطاحة بحكم الأئمة حينها، لم يُكتب لها النجاح؛ فكانت ثورة سبتمبر التي قلبت الموازين رأساً على عقب.. لم تكن الثورة مجرد تحوُّل سياسي بنظر الباحثين والمثقفين بل كانت بداية لنهضة اجتماعية وثقافية شاملة..
كانت المرحلة الأولى والتحدّي الأبرز لليمنيين بعد نجاح ثورة 26 سبتمبر الخالدة، هو التخلف والجهل الذي عاشته الأجيال اليمنية ردحاً من الزمن، وهي معركة مع الجهل والتخلف والأمية التي طالما أسهب الباحثون والسياسيون في تناولها في معرض دراساتهم ومقالاتهم وكتبهم التي أصدروها سواءً قبل الثورة أو بعدها.. حيث أشار المفكر اليمني أحمد الأصبحي لهذه المسألة المهمة، قائلاً: "لقد ظلت هناك معركة مع الجهل والتخلف والأمية حيث ظلت معركة قائمة، فهناك مقولة بأن المجتمع المتخلف يقرأ دينه بطريقة متخلفة ويقرأ قوميته بطريقة متخلفة ويقرأ وطنيته بطريقة متخلفة ويقرأ ماركسيته بطريقة متخلفة، وهذا التخلف الناشئ كان له أثره في الصراعات، وكل واحد يستحسن نفسه وينكر الآخر.. لقد وعى المؤتمر الشعبي العام هنا أهمية الثورة اليمنية، من خلال تسليط الضوء على هذا المنجز العظيم من خلال الميثاق الوطني الذي شكَّـلته نظريته الفكرية ودليله العملي ومن خلاله كان مجمل محتوى الميثاق الوطني انعكاساً عملياً لمبادئ الثورتين "سبتمبر وأكتوبر".. بحسب ما قاله الباحث الدكتور عبده علي البحش، والذي ظل المؤتمر الشعبي في كل مناسبة وطنية يحتفي بها وفياً لها لما يشكله هذا المنجز من مكانة عظيمة لدى الجماهير اليمنية قاطبة..
ميلاد الجمهورية
الكاتب السياسي محمد احمد يصف ثورة 26 سبتمبر بأنها حملت في طياتها آمالاً وأحلاماً طالما سكنت في نفوس وصدور اليمنيين، ومثلت فرصة أمامهم لتحقيقها في الواقع المعيش، ويقول إنها شكلت منطلقاً نحو المستقبل بكل إشراقاته.. ويضيف احمد : قامت الثورة في ذلك الوقت في اليمن، والتي أُعلن معها عن ميلاد الجمهورية العربية اليمنية، لتخوض البلاد عندئذ عملية تحوُّل شملت كافة مناحي الحياة وبالأخص الجانب السياسي والاجتماعي، فعلى الصعيد السياسي تم تغيير النظام السياسي من إمامي وراثي إلى نظام جمهوري يحمل أهدافاً ستة تعمل على تعزيز الديمقراطية والمشاركة السياسية، وبناء المؤسسات الدستورية، وإلغاء الفوارق بين الطبقات، وجعل التعليم للجميع، وأصبحت هناك خطط تنموية لأول مرة في اليمن..
فرصة للجميع
لقد أدى قيام الثورة أيضاً إلى إحداث تغيير في البنية الاجتماعية؛ وكان من أبرز نتائجه تعزيز الوحدة الوطنية، وإتاحة الفرصة أمام المجتمع بكافة شرائحه للإسهام في البناء والتنمية، كما استطاعت المرأة أن تعزز من دورها ومكانتها للاضطلاع بدورها في بناء يمن جديد..
أضف إلى ذلك فإن الثورة قد أسهمت في بناء هوية وطنية جامعة شملت مختلف فئات المجتمع اليمني..
وأكد محمد أنه رغم التحديات والمعوقات التي واجهتها الثورة منذ ولادتها، إلا أنها قد واجهت كل ذلك بصلابة وعنفوان مكَّـنها من تجاوزها بثبات وصمود.. وهي اليوم كغيرها من الثورات - وبعد مرور أكثر من 63 عاماً على إشراقتها الأولى - أصبحت بحاجة إلى وقفة ومراجعة موضوعية وإعادة لقراءة العديد من المواقف والأحداث التي واكبت مسيرتها الظافرة..
ثورة شعب
أما الدكتور/ مقبل العمر، فيرى أن ثورة 26 سبتمبر ثورة شعبية عظيمة عارمة، وليست نزوة سياسية عابرة، أو انقلاباً عسكرياً متعطّشاً للسلطة، لأنها ثورة شعب بأكمله، لا ثورة فئة ولا طائفة ولا جماعة.. مضيفاً: لقد قامت ثورة سبتمبر على أسس قوية وأهداف مرسومة تمخضت عن معاناة عبَّر عنها الشعب في عِدة مراحل من الصراع مع النظام الإمامي البائد، وكانت أولى مراحل الصراع تعبير الشعب عبر قُواه الحية في ذلك الوقت عن حاجته إلى إصلاحات في النظام الإمامي، ومنها على الأقل صياغة دستور وعَقْد اجتماعي يكفل الحقوق الأساسية للمواطنين، وهو ما رفضه النظام الإمامي بشدة وقابله بالعنف والبطش، أدى ذلك إلى قيام ثورة الدستور عام 1948م والتي كان من أخطائها استبدال إمام بإمام حيث نصَّبت الإمام الشهيد عبدالله بن أحمد الوزير إماماً دستورياً بدلاً عن الإمام يحيى..
تغيير جذري
عندما فشلت الثورة، عاود الثوار البحث عن شخصية صادقة من آل حميد الدين تلتزم بحق الشعب في الحياة؛ وقامت ثورة 1955م بقيادة الإمام الشهيد عبدالله بن يحيى حميد الدين الإمام الدستوري الجديد، يؤازره الشعب والجيش بقيادة الشهيد الثلايا رحمهم الله جميعاً.. ولفت العمر إلى أن هذه التجربة لاقت نفس المصير من الفشل، وهنا آمنت الثورة والثوار بضرورة التغيير الجذري في البنية السياسية للحكم الإمامي.. وقال العمر: لم يكن من سبيل إلى ذلك سوى تغيير النظام السياسي كاملاً، واختيار النظام الجمهوري شكلاً وجوهراً للدولة الفتية، وكانت البداية بإزاحة رأس النظام الإمام أحمد عام 1961م عبر محاولة اغتياله في الحديدة، ولكنه نجا إلى حين وفاته في 19 سبتمبر 1962م، وتولى بدلاً عنه الإمام محمد البدر، لكن الثورة التي أصبح من أهدافها إزالة النظام الملكي نهائياً وتغيير البنية السياسية في اليمن لم تمهل البدر، ولم تمر أيام إلا وجاء يوم الخميس 26 سبتمبر الذي شهد اليمنيون فيه عهداً جديداً بإعلان سقوط الملكية وقيام حكم الجمهورية العربية اليمنية، وأعلنت الثورة أهدافها الستة السامية..
أهداف الثورة
بحسب الهدف الأول تغيرت للأبد البنية السياسية للحكم بإعلان ﺍﻟﺘﺤﺮﺭ نهائياً ﻣﻦ ﺍﻻﺳﺘﺒﺪﺍﺩ ﻭﺍﻻﺳﺘﻌﻤﺎﺭ ﻭﻣﺨﻠﻔﺎﺗﻬما، وهذا الهدف عبَّر عن التغيير الجذري للأوضاع في اليمن وفيه يكمن معنى الثورة الحقيقية، وعن المصلحة الشعبية والوطنية والاجتماعية العامة والشاملة وفي الهدف ذاته تغيير شكل النظام السياسي عبر ﺇﻗﺎﻣﺔ ﺣﻜﻢ ﺟﻤﻬﻮﺭﻱ تشارُكي ﻋﺎﺩﻝ نقيض الحكم الملكي الاستبدادي الظالم، وفي نفس الهدف إعلان قاطع للتحرر الاجتماعي، بتغيير البنية الاجتماعية وإعلان العدالة والمساواة والحرية، والديمقراطية، وإزالة الفوارق بين الطبقات، وإنشاء مجتمع آخر ديمقراطي تعاوني عادل مستمد أنظمته من روح الإسلام الحنيف حسب الهدف الرابع، ومن وحي الهدف الأول والثالث والرابع، أحدثت الثورة فارقاً حقيقياً في النظام السياسي، وكذلك النظام الاجتماعي فقد سارت بهما قُدُماً -تطبيقاً وتطويراً- حتى أصبح الشعب اليمني طبقة واحدة، ومجتمعاً واحداً ديمقراطياً متعاوناً.. وفي ختام حديثه أشار الدكتور العمر إلى أن ثورة 26 سبتمبر المجيدة رسمت البسمة على ثغر صنعاء وعدن وثغر كل مدينة وقرية وعزلة، وأسست لنظام حكم رشيد جديد، ونظام اجتماعي قوامه المساواة في الحقوق والواجبات، وحققت بقية أهدافها باقتدار وإصرار وأكبرها تحقيق هدف الوحدة اليمنية المباركة الحُلم الذي أصبح حقيقة، وما زالت الثورة في عنفوان شبابها وشعلتها متوقدة لن تنطفئ بإذن الله..
فجر جديد
الأستاذ جميل الأصبحي قال إنه في فجر 26 سبتمبر 1962م سقطت الإمامة في اليمن كنظام حكم، وقام بديلاً عنها نظام جمهوري، ولهذا اعتبر الفجر السبتمبري خالداً ونقطة تحوُّل تاريخية في حياة الشعب اليمني، لأنه اليوم الذي انتصر فيه الشعب على جلاديه، وتجاوز به كل الكوارث، وداس فيه على قوة القمع.. وأصبح يوم السادس والعشرين من سبتمبر في كل عام عيداً وإجازة رسمية، تُقام فيه المهرجانات والاستعراضات وتُنصَب الأعلام والزينات وتضاء القناديل الملونة تعبيراً عن البهجة التى وصلوا إليها بهذا الفجر السبتمبري الوضَّاء، واليوم يبلغ عمر هذه الثورة 63 عاماً، تبدو في حزن شديد على ما آل إليه وضع اليمن من حروب وفُرقة وشتات وتدخُّلات خارجية ضربت البنية الاجتماعية والسياسية والاقتصادية، كل هذا عمل خطير لا يقبله أي يمني حر شريف ونزيه.. ولأن الثورة إرادة وعمل مستمر من أجل التغيير للأفضل، لا شك أن الشعب وحده من سيعيد وهج ثورته من جديد وسيقاوم كل انحراف وتشرذم، وسيحافظ على وحدته وتراب أرضه وسمائه وبحاره وجزره من كل دخيل ومتربّص ومنتفع رخيص.
|