استطلاع/ عبدالرحمن الشيباني -
لم تكن القضية الفلسطينية يوماً بعيدةً عن الاهتمام لدى الشارع اليمني، فمنذ عقود طويلة كان الهم العربي والفلسطيني خصوصاً حاضراً بقوة، تَجسَّد ذلك من خلال المواقف الشجاعة التي انبرى اليمن يقدّمها، وبات هذا الاهتمام كذلك يشكّـل حيّزاً كبيراً في الذاكرة اليمنية، ومازالت حاضرة فيه..
إن ما يجري اليوم من مؤامرات تُحاك ضد الشعب الفلسطيني، ومحاولة تصفية قضيته العادلة، والجرائم التى ترتكبها إسرائيل بتشجيع ودعم أمريكي يجعل منها شريكاً وطرفاً رئيسياً في حرب الإبادة والتجويع في غزة، وهو ما يستدعي أن تكون هناك مقاومة لإحباط تلك المشاريع الخطيرة التي تستهدف الأمة برمتها؛ وما انفك الإسرائيليون والأمريكيون يطلقون اليوم سيلاً من التهديدات مصوَّبة نحو منطقتنا العربية نالت اليمن جزءاً منها، فقد كانت في قلب هذه التهديدات ترجمتها بشن عدوان مستهدفاً بذلك المدنيين والبُني التحتية ما زالت مستمرة حتى اللحظة..
وإزاء ذلك كان هناك حس سياسي كان قد تشكَّـل بخطورة ما يُرتَّب للمنطقة لا يُستثنى منه أحد سبق لليمن أنْ حذَّرت منه، ومع الالتزام الأمريكي بتوسيع مساحة إسرائيل كونها صغيرة حسب قول ترامب، فإن هناك خططاً يجري تنفيذها ليست في صالح العرب بالطبع، مقابل تشرذم عربي مخيف، ويأتي ذلك بنداءات متلفزة تأتي من غزة وعلى مدار الساعة مصحوبة بمشاهد صادمة، لذلك كان الدور اليمني حاضراً ومقاوماً موحداً، بل وعربياً من خلال مباركة تلك العمليات العسكرية النوعية التي تقوم بها صنعاء، وان بدى أن هناك استياءً من قِبَل الأنظمة العربية التي ظلت تتفرج على ما يحصل، بل إن بعضها مشارك في الجرم والقتل والتجويع الذي يتجرعه أبناء الشعب الفلسطيني الأعزل..
جاهزية واضحة
في اليمن كان الوضع مختلفاً ومتفرداً واستثناءً ظهر به اليمنيون كما أسلفنا، مقدماً موقفاً مشرّفاً مُغايِراً عما بدت به الأنظمة والدول التي تخاذلت وتهاونت في نصرة إخوانهم الفلسيطنيين، والذي كان محل احترام وتقدير من كل شرفاء العالم، حيث ظهرت الجاهزية لدى أبناء الشعب اليمني واضحة للعيان حتي وهو في خضم آلامه بل ووحدتهم من خلال نزولهم الشوارع والساحات والميادين، حيث توحَّدت الرؤية بخصوص فلسطين -بالرغم من التباينات الحاصلة- يصاحبه إسناد عسكري متواصل..
الكاتب الصحفي سام عبدالملك قال لـ "الميثاق": إن القضية الفلسطينية طالما مثلت نقطة توافق لكل اليمنيين على اختلاف مشاربهم الثقافية والسياسية، وهذا ما نجده بشكل واضح في تحرُّكهم وتفاعلهم مع ما يحدث في غزة؛ مشيراً إلى أن هذا التوحد والتحرك أشاد به العالم عبر إيجاد آليات تظهر توحد كل فئات الشعب لزيادة فاعليته، ومن هذه الآليات إقامة الندوات والحملات والفعاليات بحضور الوجاهات والشخصيات التي تمثّل مختلف الأطياف اليمنية..
حضور قوي
كل هذا كان تعبيراً عن توجه الأحزاب والتنظيمات التي هي جزء لا يتجزأ من الشعب اليمني، لافتاً إلى أن هذه الفعاليات ستؤدي حتماً إلى اختفاء أية تباينات مصطنَعة ناتجة عن تضخيم إعلامي خارجي بهدف تقسيم المجتمع اليمني، مؤكداً على أن الحضور والتواصل في هذه الفعاليات كفيل بزيادة اللُّحمة والتقارب أكثر، وسيؤدي إلى زيادة فاعلية هذا التحرك الجماعي، ويظهر أكثر اهتمام جميع اليمنيين بالقضية المركزية للأمة، وكف كيد العملاء والمعتدين.. وضرب سام مثلاً بهذا التحرك هو مشاركة الإعلاميين في تقديم فقرات المسيرات الأسبوعية الداعمة لغزة، أو إلقاء شخصيات سياسية من أطياف متنوعة للبيانات الخاصة بهذه الفعاليات، وهناك الكثير مما يمكننا أن نفعله في هذا الجانب..
أوراق ضغط
من جانبها أكدت الإعلامية المصرية سُها البغدادي -الباحثة فى الشأن العربي والدولي- أن وحدة الصف العربي هي السبيل الأوحد للدفاع عن حق الشعب الفلسطيني في أن يعيش حياة كريمة على أرضه، دون انتقاص من حقوقه المشروعة.. وأوضحت أن العالم العربي يمتلك مراكز قوة متعددة، بدءاً من ثروات النفط والغاز، وصولاً إلى المواقع الاستراتيجية الحساسة مثل مضيق باب المندب، وهذه الأوراق يجب أن تُستخدم كوسائل ضغط سلمية وفعّالة على الاحتلال الإسرائيلي لوقف أعماله الوحشية والإجرامية ضد شعب أعزل.. وشددت البغدادي على أن الهدف ليس إدخال المنطقة في حروب جديدة، بل العكس تماماً، فالمطلوب هو فرض معادلة قوة تحمي الحقوق وتحقق السلام العادل والدائم.. وأضافت: أن العرب إذا اتحدوا في خطابهم ومواقفهم السياسية والاقتصادية، فإنهم قادرون على إحداث تغيير حقيقي، وإجبار الاحتلال على التراجع عن ممارساته، دون الحاجة إلى نزيف دماء أو دمار جديد..
أهل نجدة
بدوره يؤكد الجرموزي الشخصية الاجتماعية المعروفة، أن الشعب اليمني حمل على عاتقه قضية كبرى يدافع عنها وهي القضية الفلسطينية، فليس بغريب أن يكون اليمنيون حاملين لواء الدفاع عن القدس، فهم أهل شِيَم وأخلاق، فمن ناصروا رسول الله لن يكونوا إلا امتداداً له.. وشدد الجرموزي على أن موقف الشعب اليمني المدافع عن المقدسات وتبنّيه لعموم الأمة ليس بغريب وهو مستمر في الطريق، أما المرتزقة وخَوَنة الأوطان ممن باعوا ضمائرهم ودينهم بثمن بخس فلن يجنوا سوى الخسران..
من جهة أخرى يقول المحلل السياسي فؤاد حسين، إن الشعب اليمني يكاد يكون الوحيد في المنطقة العربية الذي يظهر بهذه القوة والمناصَرة، في الوقت الذي يعاني الكثير من المتاعب مقارنةً بالشعوب العربية التي هي أحسن حالاً، ومع ذلك مواقفها دون المستوى المطلوب وهي دول ذات ثقل مالي وسياسي.. وأضاف: هناك تآمر واضح على العرب، فمشاريع التقسيم المخطط لها تجري على قدم وساق، وتصريحات نتنياهو بهذا الشأن معروفة وقالها على الملأ..
مشاهد الدم
وبدلاً من حشد الجهود والتضامن من أجل وأد هذه المشاريع من خلال تحسين العلاقات العربية العربية كانت هناك تصريحات خجولة لا ترقى لمستوى الحدث.. وتطرَّق حسين لما يحصل في غزة من مجازر يومية يشنها الجيش الإسرائيلي ضد الشعب الشعب الفلسطيني.. وقال إن ما يُسمى الجيش الأخلاقي يمنع الناس عن الطعام، بل إنه الجيش اللاأخلاقي الذي يهدم كل الأخلاق والقِيَم ويضرب بعرض الحائط كل أخلاقيات الحرب نظراً لما يقوم به من أعمال مُشينة حتى وصل إلى أن يمنع الناس من الطعام ويجوّعهم ويمارس تطهيراً عِرقياً أمام المجتمع الدولي وهيئاته التي تقف عاجزة عن فعل أي شيء..
ويرى محمد ناشر أن الأمة العربية والإسلامية تمر بمخاض خطير يستوجب على شرفاء الأمة الوقوف بحزم إزاء ما تقوم به إسرائيل من أعمال تضر بالأمن القومي العربي.. وأشار إلى أن القدس هي البوصلة وهي المقياس الحقيقي لقدرة الشعوب العربية على المواجهة أو الخذلان..
وحدة الموقف
إن الهدف واحد؛ وفلسطين هي من توحّد كل هذا الشتات، وأكد على أن العالم اليوم يعيش شريعة غاب فقد أصبحت إسرائيل فوق كل القوانين، بل ويأتي من يبرر من قادة الغرب لمجازرها، ولعل تصريحات نائب رئيس الوزراء ووزير العدل البريطاني -الذي قال إن الحكومة البريطانية لا تعتقد بارتكاب إسرائيل إبادة جماعية في غزة- يصب في هذا الشأن.. وتساءل ناشر: ألا يلتفت هذا الرجل للمظاهرات التي تجتاح دول العالم وفي بريطانيا نفسها؟!.. واستدرك ناشر بالإشارة إلى الأهمية بمكان أن يكون الصوت المدوي الآن وفي كل أرجاء العالم هو غزة وفلسطين ضد العدو المشترَك لكل العرب والمسلمين.. وقال "إن اليمن تدفع ثمن مواقفها".. داعياً كل شرفاء العالم إلى أن يتخذوا الموقف اليمني كنموذج مشرّف نابع من قِيَمهِ وأخلاقياته، مجسّداً مبدأ التكاتف والأخوة بل والإنسانية.
|