يحيى نوري - تتسع من يوم لآخر دائرة الاهتمام بقضية الحوالات المنسية وتأخذ ابعاداً عدة حسب اهواء وأمزجة من يخططون لجعلها حديث الناس..
ولاريب ان مبعث هذا التزايد في الاهتمام يعود الى ندرة المعلومات عن هذه القضية وهو أمر يتيح الفرصة للمزيد من الحكايات التي اصبحت تتداخل فيها المواقف السياسية والاقتصادية والاستغلال لها في كل ما يمكن ان يخدم توجهاً ما أوموقفاً..
الموقف الرسمي
ولكون البيان الصادر أو بالاحرى التعميم عن البنك المركزي ُعد اول موقف رسمي يتحدث عن القضية إلا أنه لم يكن كافياً ومطمئناً للناس..
التعميم وبالرغم من انه يلزم مؤسسات الصرافة بضرورة الابلاغ عبر رسائل الـsms للمرسل والمتلقي إلا ان هذا التأكيد هنا بَدَهي وطبيعي ويُعد من الامور الاعتيادية التي تمارسها مختلف المصارف بالعالم إضافة الى كونه تأكيداً أثار الاندهاش والاستغراب حيث اظهر البنك بدائياً في تعامله مع هذه القضية، في الوقت الذي كان يأمل فيه المتابعون والمهتمون وجمهور المستفيدين من الحوالات المنسية ان يبدي موقفاً قوياً وصارماً ينتصر للمستحقين وان يخضع الأمر برمته لعملية تحقيق شاملة حتى يتسنى له معرفة كافة أبعاد هذه المشكلة وان يحدد بدقة متناهية الاسباب التي ادت الى وجود هذا التراكم الكبير في قوام الحوالات التي لم تسلم لأصحابها ولماذا أخذت هذه الفترة الطويلة دون معالجتها بدرجة عالية من الشفافية والوضوح؟
كما ان إشارة تعميم البنك التي تؤكد حق المرسل استعادة مبلغ الحوالة في حال مازالت غير مدفوعة للمستفيد بموجب تقديم طلب من المرسل وبعد الحصول على وثائق اثبات هويته يراها البعض انها زادت المشكله تعقيداً، خاصة وان المرسل قد عبر عن موقفه مسبقاً في ارسال المبلغ لأحد الاشخاص وهو ما يعني ان المبلغ بات من حق المرسَل اليه الذي تعد مشكلته الوحيدة في كونه كان ضحية عدم اشعاره من المصرف المحول اليه والى اطمئنان المرسل ان الاجراءات المتبعة للتحويل هي اجراءات متشابهة في كل انحاء العالم..
وهذا المطلب التعميمي سيعقد الامر اكثر خاصة في عملية البحث عن المرسلين الذين قد يكون اغلبيتهم خارج الوطن، وهو أمر يحتاج لفترة طويلة جدا، خاصة مع ما سوف يصاحب ذلك من عدم الاعتماد على اتصالية ناجعة بالمرسلين فقد يكونوا اشخاصاً او مؤسسات ..الخ من المسميات..
ولذا يرى الكثيرون اهمية معالجة هذا الامر مع المستفيدين من الحوالات باعتبار التحويل لهم قد عبر عن موقف وقناعات المرسل واصبحت حقاً للمرسَل اليه إلا في حالة واحدة وهى عدم العثور على المرسَل اليه،وانه من حق المرسل الحصول على حقه بصورة انسيابية ودون عناء..
كما ان إلزام تعميم البنك للمصارف بأهمية موافاته بكشوفات اسماء المستفيدين من الحوالات وفي فترة وجيزة بنهاية الشهر الجاري مع تأكيد أن المصارف قد نبهت المرسَل اليهم في وقته فإن هذا المطلب يعد بمثابة اعتراف غير مباشر من قبل البنك على غياب عملية الرقابة من قبله على مؤسسات الصرافة بدليل لو ان هذه الرقابة مستمرة وفي اطار برامج مزمنة من وقت لآخر لما وُجدت مشكلة الحوالات المنسية ،وكان بإمكان عملية الرقابة ان تجد حلولاً ناجعة في وقتها بما يعزز من الشفافية والوضوح على مستوى الجهاز المصرفي للدولة..
وهذا يعني ان البنك بأهماله للعملية الرقابية قد ساهم في المشكلة وهذا يتطلب منه أولاً ان يتحلى بالشفافية قبل ان يطالب الآخرين بها بحيث يكون القدوة كمؤسسة معنية بالنظام المصرفي عموماً والمسئولة عن تطويره وتحديثه؛ وهذا يتطلب ان يبادر البنك المركزي إلى اجراء تحقيق داخلي ليتعرف أولاً على الاسباب التي ادت الى غياب دوره الرقابي في هذا الجانب وان يكون آخر من يعلمون بهذه المشكلة..
وتلك خطوة اذا ما تمت فإن اموراً كثيرة قد تساعد البنك على معرفة الحقيقة برمتها وبالصورة التي تمكنه من المعالجة الشاملة والسريعة لها ،ولكون معالجة القضية مهمة كهذه لها بُعدها المالي والحقوقي وما ستتركه من انطباعات يجب ان تتم تحت طائلة القانون في محاسبة كل من اهمل وقصر في دوره وواجبه سواء داخل البنك او على صعيد المصارف..
وهنا يتساءل الكثير عن الاسباب التي لم تؤدّ الى تحرك النائب العام في التعامل مع هذه القضية باعتبار النشر عنها عبر وسائل الاعلام وشبكات التواصل المجتمعية يعد بمثابة بلاغ للنائب العام..
ويرى هؤلاء ان تدخل النيابة العامة يُعد أمراً ضرورياً وملحاً خاصة وان المعطيات الاولية للقضية تشير الى ارتكاب اخطاء من قبل مختلف الاطراف وهو ما يجعل من تدخل النيابة ضرورة للحفاظ على حقوق الناس وعدم تركها تتوه في شبح الروتين الإداري؛ الذي سيزيد من مضاعفاتها وتأثيراتها وبصورة لا تعكس التزام بلادنا بالتعامل مع الحوالات المالية بالأسس والقواعد المتبعة او حتى بأبجدياتها؛ وذلك تأثيره بالغ كونه سيفقد نظامنا المصرفي الثقة لدى الجمهور بل والمصارف المالية الخارجية..
بيان جمعية الصرَّافين
جاء بيان الجمعية لتعبر من خلاله عن معرفتها بأمر الحوالات المنسية ، لكنها وبالرغم من تأكيدها أن المبالغ التي لم تسلم للمستفيدين قد تم وضعها في اطار ارصدة في بنوك محلية - وهو تطمين رائع - إلا أن ما لم تقله الجمعية هو لماذا ظلت منسية كل هذه السنوات؟!.
سؤال لابد على الجمعية ان تجيب عنه بدرجة عالية من الشفافية والوضوح، وان تقول صراحة لماذا لم تساهم الجمعية في حل هذه المشكلة مبكراً باعتبار مهامها ليست مقتصرة على الدفاع عن حقوق اعضائها وإنما الى جانب ذلك حماية مهنة الصرافة من كل الاعتوارات التي تشوه سمعتها وفي ذلك حماية لاعضائها ايضاً..
وبالرغم من ان بيان الجمعية قد اكد وجود ارصدة في بنوك محلية إلا انها لم تشر من قريب او بعيد عن حجم هذه المبالغ ومقدارها، وما إذا كانت هذه الارصدة لها فوائد.. الخ من التساؤلات التي تدور في اذهان الناس..
ان على جمعية الصرافين ان تقدم برنامج عمل حقيقي وفاعل لحل هذه المشكلة بدلاً عن احاديث عن مواقع لاتسمن من جوع.!!
ضبابية المصارف
لم تفلح بعد قضية الحوالات المنسية لتفاعلات الرأي العام معها في جعل مؤسسات الصرافة تندفع نحو الشفافية والاعلان التلقائي من قبل كل منها عن حجم الحوالات غير المسلَّمة ويبدو أنها تصر على جعل الضبابية هي السائدة ،الأمر الذي يضع تساؤلات عما إذا كان السبب من وراء ذلك هو التستر أو الخوف من العواقب القانونية..؟
تساؤلات عدة
ما يتم تسريبه من قوائم لأسماء المستفيدين من الحوالات يثير هو الآخر الشك حول مدى رغبة وقناعة المصارف بحل هذه المشكلة، وهو ما سوف يزيدها تعقيداً وتأجيجاً لا تحتمله بلادنا في ظل ما تشهده من عدوان وحصار..
وهنا نتساءل أيضاً ما الذي سيضر هذه المصارف إذا ما قامت بإعلان أسماء اصحاب الحوالات عبر حساباتها في شبكات التواصل، وبالصورة التي تمكن الكثير من متابعة مبالغهم دون عناء..
وهنا قد لا نعمم على جميع المصارف فهناك مصارف تقوم بصرف الحوالات لأصحابها وكانت من ضمن قائمة المنسيات وهذا امر يكتب عنه العديدون عبر شبكات التواصل
ولا نعتقد أن أي مصرف إذا ما قام بهذا العمل سيواجه صعوبات أو عقوبات قانونية بقدر ماسيجني ثقة الجمهور..
اتجاه إجباري
إن كل ما تحمله شبكات التواصل من معلومات خطيرة عن الاسباب التي تقف وراء الحوالات المنسية وما تذهب إليه بعض المعلومات انه تم ارتكاب حماقات في حق المستفيدين ليس بالخطأ وانما بصورة متعمدة، الهدف منها الحصول على المال لآجال طويلة يتم استثماره لصالح أجندة أخرى ، وهذا لاشك سيزيد المسألة تعقيداً ويجعل من التحقيق المهني والمحايد اتجاهاً اجبارياً كمخرج وحيد لهذه المشكلة..
وأنه دون هذا التحقيق في إطار برنامج مزمن فإن الامر لا يعني الا شيئاً واحداً وهو ان المعنيين بالسياسة المصرفية في بلادنا هم الوحيدون الذين يتحملون تبعات ذلك ، وهذا أمر يستدعي تدخل القضاء والاجهزة الرقابية والمنظمات المدنية..
مالم فإننا سنقول على السياسة المصرفية في بلادنا السلام.
|