الميثاق نت -

الثلاثاء, 05-أبريل-2022
أحمد‮ ‬الزبيري -
الشعوب الحية هي تلك التي تملك إرثاً تاريخياً حضارياً حياً تُخلدُ فيه الأحداث العظيمة وصناعها العظماء ليكونوا بسيرهم مرارةً ونبراساً تسترشد بها الأجيال في سفر تاريخها المتواصل من الماضي إلى الحاضر إلى المستقبل، والشعب اليمني واحد من الشعوب الحضارية الذي وإن‮ ‬حصلت‮ ‬انقطاعات‮ ‬أو‮ ‬ركود‮ ‬أو‮ ‬تراجع‮ ‬في‮ ‬تاريخها‮ ‬تأتي‮ ‬مراحل‮ ‬لتُعيد‮ ‬هذا‮ ‬التاريخ‮ ‬إلى‮ ‬مساره‮ ‬الصحيح‮.‬
في تاريخنا الوطني المعاصر شخصيات كثيرة أسهمت بأدوار كبيرة لإخراجه من حالة التخلف والعزلة إلى متغيرات الحداثة والتطور، وهناك من يأتون في سياق التغيير ليلعبوا تلك الأدوار، ومنهم من يكون شخصيةً استثنائية يجمعون بين انتمائهم إلى البنية الاجتماعية ومن مواقعهم على‮ ‬رأس‮ ‬تلك‮ ‬النبى‮ ‬يعملون‮ ‬على‮ ‬تغييرها‮ ‬في‮ ‬إطار‮ ‬تغيير‮ ‬الوضع‮ ‬القائم‮ ‬للشعب‮ ‬أو‮ ‬للأمة‮ ‬كلها‮.‬
ويعد في هذا السياق الشيخ أمين بن حسن بن قاسم أبوراس واحداً من تلك الشخصيات الاستثنائية والذي كان زعيماً قبلياً وقائداً عسكرياً وحكيماً سياسياً يعمل من أجل خلاص وتحرير شعبه من النظام الإمامي المتخلف ومن الاستعمار الذي كان يحتل جزءاً من الأرض اليمنية وهذا لم يكن فقط نتاجاً للفترة التاريخية التي وُجد فيها ووجد نفسه في خضم المواجهة مع هذه القوى التي فرقت وقسمت الشعب اليمني لاستدامة تسلطها وبقائها محتلةً لأرضه، بل هو امتداد لأرث آبائه وأجداده الذين واجهوا الغزو الخارجي والظلم المحلي من الغزو التركي إلى الاستعمار‮ ‬البريطاني‮ ‬وبينهما‮ ‬الكيانات‮ ‬التي‮ ‬تشكلت‮ ‬في‮ ‬ظل‮ ‬الغزاة‮ ‬والمستعمرين‮ ‬وما‮ ‬بعده‮.‬
هناك الكثير من الوقائع التاريخية التي يمكن أن نسردها ليس بحرفية المؤرخ لأن هذا يحتاج إلى جهد وبحث لا يقوم به إلا متخصصون، وأنا لستُ من هؤلاء، وما سنتناوله عن الشيخ أمين أبوراس هو من بعض ما اختزنته الذاكرة من قراءة لتاريخ هذا الشيخ القبلي والمناضل السياسي الذي‮ ‬أنذر‮ ‬نفسه‮ ‬لوطنه‮ ‬وشعبه‮ ‬وحريته‮ ‬واستقلاله‮.‬
لقد سار في دروب آبائه وأجداده مستوعباً آمال وتطلعات أبناء وطنه، مدركاً أن التغيير يحتاج إلى كسر حلقة الصراعات على السلطة إلى الثورة على الظلم والطغيان والتبعية والوصاية الخارجية، وسنتحدث عن موقفه ودوره في ثورة 26 سبتمبر والدفاع عن نظامها الجمهوري ومواجهة القوى الرجعية والذي كان هو جزءاً من معركة التحرر الوطني ضد الاستعمار البريطاني آنذاك في جنوب اليمن، وهذا يفسر لنا علاقته المبكرة بالحركات السياسية الوطنية والقومية والتي كان جميعهم ينظرون إلى الشيخ أمين ابوراس باعتباره واحداً من قيادتهم ولن يتمترس لصالح حركة‮ ‬أو‮ ‬حزب‮ ‬في‮ ‬مواجهة‮ ‬الآخرين‮ ‬بل‮ ‬كان‮ ‬يسعى‮ ‬إلى‮ ‬جمع‮ ‬كل‮ ‬هؤلاء‮ ‬باتجاه‮ ‬الهدف‮ ‬الأساسي‮ ‬وهو‮ ‬الانتصار‮ ‬للثورة‮ ‬وتطلعات‮ ‬اليمنيين‮ ‬في‮ ‬الكرامة‮ ‬والعدالة‮ ‬والتطور‮ ‬والرقي‮.‬
وإذا ما عدنا للخلفية التاريخية قليلاً يمكن أن نقتبس بعض ما أشار إليه الاستاذ محمد اليازلي في كتابه الذي يسلط الأضواء على تاريخ أسرة أبوراس ويركز فيها على مسيرة الشيخ أمين متناولاً في أحد فصوله العلاقة الذي ربطته مبكراً بالاتجاهات الثورية في صفوف الحركة الوطنية اليمنية، إذ يقول للحقيقة والتاريخ إن أول من بدأ العمل في تشكيل الهيئة التأسيسية للجمعية الثورية الوطنية الديمقراطية الجديدة في تعز مطلع الخمسينيات، كان المناضلان النقيبان قاسم وأمين حسن أبوراس أبرز القيادات الثورية الفاعلة لإحداث تغيير حقيقي، ويتحدث الاستاذ اليازلي بالكثير من التفاصيل عن تشكيل هذه الجمعية وظهورها وأهدافها وما حاولت القيام به لإحداث نقلة باتجاه التغيير الثوري وتوسعها لتشمل العديد من القطاعات وتمتد من تعز إلى مختلف المدن والمناطق اليمنية.
ويذكر الاستاذ اليازلي، أنه في صيف عام 1960م عُقد اجتماع سري في بيت المناضل القاضي عبدالسلام صبرة بحارة القاسمي بصنعاء القديمة حضره عدد من رؤوساء واعضاء ومندوبي اللجان التنظيمية من صنعاء وتعز والحديدة، وتم اختيار الشيخ امين ابو راس عضواً في مجلس قيادة الثورة الذي ضم 14 عضواً، منهم 17 عضواً تم اختيارهم في ذلك الاجتماع، وكان الشيخ امين ابو راس الثائر الجسور على موعد مع الشرارة الاولى لساعة الصفر لانطلاق الثورة السبتمبرية عام 1962م، وكانت مهمته الاولى في مدينتي قعطبة ودمت ومريس لمواجهة أي تحرك بريطاني سلاطيني قد يحدث من قبل القوات البريطانية التي كانت متمركزة في مدينة الضالع الواقعة تحت سيطرة القوات الاستعمارية البريطانية المحتلة لجنوب الوطن آنذاك، حيث تحرك صبيحة يوم ثورة 26 سبتمبر بعدد كبير من المقاتلين بأسلحتهم الشخصية، وقام بإلقاء القبض على المناوئين للثورة في تلك المناطق وارسالهم تحت الحراسة الى صنعاء، وعندما أنهى واجبه الوطني في تلك المناطق توجه الى صنعاء لينطلق منها فور وصوله الى المناطق الشمالية والشرقية الشمالية كالجوف وحرف سفيان وصعدة ومعه المئات من المقاتلين الابطال من قبائل (ذو محمد وذو حسين) لمطاردة فلول‮ ‬الملكية‮ ‬وترسيخ‮ ‬دعائم‮ ‬الثورة‮ ‬الوليدة‮.‬
الشيخ أمين ابوراس واجه القوى المعادية للثورة اليمنية وللتدخل الخارجي الذي جمع تحالفاً للقضاء على ثورة 26 سبتمبر 1962م، كما هو اليوم يشن عدواناً على شعبنا ولا يهمه إلا إبقاء اليمن ضعيفاً مقسماً وتابعاً له، وكانت المواجهة في أكبر المناطق حساسية وتأثيراً على مسارات‮ ‬انتصار‮ ‬الثورة‮ ‬مثل‮ ‬صعدة‮ ‬والجوف‮ ‬أو‮ ‬تلك‮ ‬المناطق‮ ‬القريبة‮ ‬من‮ ‬الجزء‮ ‬المحتل‮ ‬من‮ ‬اليمن‮ ‬مثل‮ ‬دمت‮ ‬وقعطبة‮.‬
لقد شهدت ثورة 26 سبتمبر في سنواتها الأولى العديد من الخلافات والصراعات في الصف الجمهوري، وكان الشيخ أمين ابوراس دوماً منحازاً لتطلعات شعبه وإلى قوى التغيير الحقيقي التي ترفض أي شكل من أشكال المساومة على تطلعات الشعب اليمني ورغم كل الاغراءات ومحاولات استقطابه‮ ‬باعتباره‮ ‬شيخ‮ ‬مشائخ‮ ‬بكيل‮ ‬وراس‮ ‬ذو‮ ‬محمد‮ ‬وذو‮ ‬حسين،‮ ‬وقبائل‮ ‬دهم‮ ‬إلا‮ ‬أنه‮ ‬بقي‮ ‬مناضلاً‮ ‬مخلصاً‮ ‬لخيارات‮ ‬شعبه‮ ‬بالبناء‮ ‬والتنمية‮ ‬والازدهار‮.‬
المناضل أمين أبوراس عانى كثيراً بعد المتغيرات التي شهدتها المنطقة العربية وخاصةً مصر التي كانت القوة الأساسية الواقفة إلى جانب الثورة اليمنية والتي أدت نكسة حزيران 67م إلى انعكاسات كبرى تمخض عنها خروج القوات المصرية من اليمن بعد الحرب العربية الإسرائيلية والتي بالمحصلة جاءت لصالح القوى الرجعية للمنطقة العربية فكان هناك من انتهز الفرصة وقدم نفسه لخدمة تلك القوى تحت عنوان الجمهورية التي أُفرغت من محتواها بعد انقلاب 5 نوفمبر 67م وتصدر المشهد من كانوا يدعون للتسوية والمصالحة على حساب اليمن وثورته ونظامه الجمهوري‮.‬
تذكر بعض المصادر التي تؤرخ لتلك الفترة أن آخر من ودع السلال في الحديدة عشية خروجه النهائي كان الشيخ المناضل أمين ابوراس وعبدالغني علي وكلاهما من رجالات الثورة الحقيقيين الذين كانت أدوارهم ذات تأثير كلاً من موقعه.. وينبغي إذا أردنا أن نصنع لليمن مستقبلاً إعادة‮ ‬قراءة‮ ‬تاريخ‮ ‬المناضلين‮ ‬الحقيقيين‮ ‬ليعود‮ ‬المسار‮ ‬إلى‮ ‬سياقه،‮ ‬أما‮ ‬إذا‮ ‬استمررنا‮ ‬في‮ ‬التصورات‮ ‬المبنية‮ ‬على‮ ‬طمس‮ ‬نضالات‮ ‬هؤلاء‮ ‬العظماء‮ ‬فلن‮ ‬يكون‮ ‬لنا‮ ‬لا‮ ‬حاضر‮ ‬ولا‮ ‬مستقبل‮.‬
تمت طباعة الخبر في: السبت, 07-نوفمبر-2026 الساعة: 02:36 ص
يمكنك الوصول إلى الصفحة الأصلية عبر الرابط: http://www.almethaq.net/news/news-62234.htm