تحقيق / عبدالرحمن الشيباني - بحسب القانون والدستور اليمني تكفل الدولة الحق لكل مواطن يمني فى تلقي الخدمة الصحية مجانا او بشكل شبه مجاني باعتباره حق انساني، لكن عندما تصبح هذه الخدمة فجأة عسيرة المنال في وضع استثنائي يعاني منه الجميع خصوصا المواطن الذي هو الحلقة الأضعف فى كل ما يجري تُرى كيف سيكون الأمر ؟ وهل هذا يعفي الدولة من أن تقوم بواجباتها؟
الحقيقة هناك أصوات تصدح وتشكو مرارة الحال بل وهناك من يجهش بالبكاء جراء واقع يكتوي الجميع بناره كل يوم، يُجمع الكثيرون ويشكون من تدني الخدمات الصحية في مشافينا التي لم تعد تخفف الآلام وتعالج الأسقام بل أصبحت كابوسا بل واملاً تتخلله فواصل مؤلمة ومتعبة وليس حقاً طبيعياً للناس تكفله الدولة، مستشفيات لم يعد بمقدور المواطن دفع تكاليف العلاج فيها وهذه إشارة تؤكد خطورة الوضع الطبي والمعيشي القائم..
ما إن تطأ قدماك مستشفياتنا ترى الوجع والألم فى وجوه الناس فهناك من هو جالس وكأنه يندب حظه العاثر والآخر نائم فى سرير متواضع، وبعضهم يجوب الطواريد باحثا عن شرنقة او طبيب، وآخر بيده ورقة مهترئة يبحث عمن يشتري له العلاج ويتوسل إليك ان تفعل ذلك مصحوبا بدعاء، لا يمكن لأحد أن يخفي مشاعره وهو يتجول سواءً أكنت زائراً أم مريضاً ففصول المعاناة لا تنتهي حاملا عناوين أكثر إيلاماً..
فى إحدى المستشفيات الحكومية كان احد المرضى يحمل بيده اوراقاً طالباً تخفيضاً لاجراء احد الفحوصات بصحبة احد الاطباء العرب الذى اشفق على ذلك المسن الطاعن،كان بدوره يبحث عن المسؤول المباشر لعمل التخفيض لذلك المريض.. كان هذا المشهد مؤثرا من مشاهد كثيرة لا تقل بؤساً عن واقع حال أصبح جل الناس يكابدونه، حتى إعداد هذه المادة لم نستطع مقابلة مدير ذلك المستشفى لانشغاله المستمر!
ترددت مرات عدة على مكتبه دون جدوى، فى طواريد هذه المستشفيات التى زرناها يُجمع تقريبا كل من التقيناهم ان لاخدمة جيدة ولا اعتبار لأحد، إلا إذا كانت لديك واسطة فالمسكين هنا يضيع فى دهاليز الروتين واللامبالاة من البعض حتى لا نظلم أحداً، ناهيك عن أسعار تلك الخدمة التى أصبحت كبيرة فى نظر الكثيرين ممن سألناهم لا يقوون على الايفاء بها لذلك يلجأ المواطن المسكين للبحث عن مسؤول او واسطة ينقذه من ورطته تلك وما أكثرهم وما أكثر الذين يترددون على هذه المرافق المرتبطة بصحتهم التى لا يعوضها شيء لعلهم يجدون فيها الشفاء..
أسعار قديمة
يقول امين العفيف -وهو مرافق لوالده- إن الاسعار معقولة مقارنة بالمستشفيات الخاصة التى لا ترحم وترفع الربح أولا لكن تظل هذه الرسوم مرتفعة بالنسبة للمواطن الذي يعيش ظروفاً صعبة فهناك من يستطيع وآخر لا،لكن الغالبية العظمى بالتأكيد لا تستطيع دفع هذه الرسوم نظرا للعوز الذي يعاني منه غالبية الشعب اليمني..
أما الحاج احمد السويدي فيرى أن اسعار الخدمات الطبية جيدة ومناسبة، ويضيف في هذا الاطار بالقول : "صحيح أن المريض الذي يأتي من خارج صنعاء ويجد صعوبة بالنسبة فيما يخص المسكن والمصاريف الأخرى أثناء اقامته التى قد تطول لكنه اذا ذهب لمستشفى خاص سيكون الأمر أكثر صعوبة، طبعا الخدمات في المستشفيات الحكومية غير الخاصة نرجو أن تتحسن وأن ترفع مستواها"..
هذا يحدث فى مشافي من المفترض ان تكون الخدمة الصحية مجانية او شبه رمزية فما بالك في المستشفيات الخاصة التى اصبح ارتيادها حلماً بالنسبة للمعدم ولا يرتادها الا الميسورون سواء أكانوا من سكان صنعاء أم من بقية المحافظات الاخرى..
كان ثمة لوحة اعلانية طويلة بأسعار الخدمات الصحية فى ذلك المستشفى الذي أكد لي احد الموظفين ان هذه الاسعار التي فى اللوحة قديمة ولا يتم التقيد بها..
وآخر قال: " ان هناك واسطات لنافذين يأتي بها البعض للمستشفى وتجرى لهم عمليات وفحوصات مجانية لان لديهم ظهراً اما المواطن المسكين لا يحظى بها الا في اضيق الحدود، حتى الجرحى من الجيش واللجان الشعبية يلقون صعوبات في تلقي العلاج الذين من المفترض ان يكون لهم أولوية ومعاملة خاصة وهذا ما اكده عبدالرحمن العابد مندوب الجرحى بالمستشفى المذكور الذي قال للمحرر " الاسعار مرتفعة والله البعض يبكي !! لا يستطيع الدفع.. كان سابقاً الدفع رمزياً لكن الآن الاسعار مرتفعة حتى الاعفاءات ممنوعة (تصوَّر) واذا صدرت من وزارة الصحة تكون بحدود ضيقة جدا.. وقال متسائلا": هل هذا مشفى تعليمي ام استثماري ؟ البعض ينظر له بهكذا صورة على انه اسثماري حتى المذكرات التى تأتي من جمعية يمن شباب بشأن الجرحى تُرفض.. يجب أن يكون هناك تنسيق ووضع حل وسط، عندما تأتي أسرة شهيد او مجاهد يطلب منها قطع سند هذا يترك ثغرة للعدوان".. وطالب بالتراجع عن هذا القرار..
مزاجية وتهرب
مسؤول كبير فى احدى المشافي الحكومية طلب عدم ذكر اسمه قال: " انا غير مقتنع بهذه الاسعار فهي مرتفعة جدا لا يقدر عليها المواطن خصوصا الذي يأتي من خارج صنعاء.. المبالغ المحصلة من المواطنين مرتفعه جدا.. مسؤول المالية هنا هو من يضع التسعيرة للأسف، المفروض ان يكون هناك اجتماع موسع لكل الأطراف اذا كان هناك تعديل لاسعار الخدمة بحيث تراعى ظروف المواطن لكن الذي يجري ان هناك شخصاً واحداً هو من يحدد قيمة هذه الخدمة، لا أعتقد أنها تسعيرة حددتها وزارة الصحة، بصراحة هذا مشفى تعليمي ومجاني وتحول إلى استثماري..!!
هناك مزاجية وعدم مسؤولية، كنا قد تواصلنا مع د /على جحاف وكيل وزارة الصحة عبر مدير مكتبه ليرد على استفساراتنا إلا أن المذكور للآسف لم يتجاوب معنا للحديث عن التسعيرة الخاصة بالخدمات الطبية التى أصدرتها الوزارة ومدى متابعتهم لذلك، وظللنا لما يقرب من خمسة عشر يوما نطالب بذلك اللقاء القصير ولم نتمكن..
وكانت وزارة الصحة العامة والسكان فى وقت سابق كانت قد أصدرت قائمة تسعيرية بالخدمات المقدمة لكافة المنشآت الطبية فى الجمهورية اليمنية حيث حددت الوزارة التسعيرة المعلنة لأسعار الاطباء بمختلف مستوياتهم سواء أكانوا في عيادات خاصة او في مستشفيات خاصة وهي كالتالي: الطبيب العام 1000ريال، الطبيب الاختصاصي 2000 ريال، الاستشاري 3000 ريال..
وأوضحت الوزارة في مؤتمر صحفي سسابق أنه تم الاعتماد على معايير دقيقة وواضحة في تقدير كلفة الخدمات الطبية، مؤكدة أن التسعيرة المعلنة ملزمة وستعاقب المخالفين وستنشر بشكل كامل على موقع الوزارة.
وأشار وزير الصحة طه المتوكل إلى أن التسعيرة وضعت ضمن حد أدنى وأعلى وفقا لمستويات المستشفيات ولايسمح للمنشأة الطبية بتجاوز الحد الاعلى، لافتاً إلى أن التسعيرة لـ 800 خدمة طبية تشمل خدمات المعاينة والكشافات والفحوصات المخبرية..
أسعار معقولة
"اللائحة معقولة وتراعي المريض بشكل كبير".. بهذه العبارة بدأ الدكتور /مطهر مرشد -مدير هيئة المستشفى الجمهوري بصنعاء- حديثه، واضاف: " مثلاً العناية بعشرة آلاف ريال فقط فى المستشفيات الحكومية.. فى المستشفى الخاص بمائة الف ريال انظر للفرق هنا، علاوة على انها قابلة للتخفيض،المستشفيات الخاصة لديها مستويات فى اسعار الخدمة وكل مستوى له تسعيرة، نحن فى مستشفى الجمهوري وفى ظل انقطاع الميزانية بسبب الحصار والعدوان تأثرت المستشفيات الحكومية بشكل عام وما زالت تعاني كثيرا والجميع يعرف ذلك فهل من المعقول إغلاق هذه المستشفيات او نتركها تنهار؟ بالطبع لا هذا الشيء يفتح المجال للمستشفيات الخاصة ويزيد من معاناة المواطن..هناك تسعيرة معمول بها نضمن منها سعر التكلفة التشغيلية فقط وليس للربح ومن أجل أن نستمر ونقدم الخدمات للجمهور..
اطلعت الصحيفة على كشف التخفيضات فى المستشفى وبحسب المختص فإن اجمالي المبالغ التي يتم خصمها فى نهاية العام تصل إلى الملايين لكن هل هذا الأمر كافٍ خصوصا للذين ليس لديهم واسطة وهل كل الناس المستحقين يحصلون عليها..
مخالف للدستور
من الناحية القانونية يرى الناشط الحقوقي والقانوني عبدالرحمن الزبيب أن "الواقع مخالف لنصوص الدستور بشكل كبير جداً حيث يتم فرض مبالغ مالية كبيرة على المواطنين للحصول على الخدمات الطبية واجراء العمليات الجراحية في المستشفيات الحكومية وبجودة منخفضة وبدلاً من تطبيق نصوص الدستور والتوسع في الخدمات الصحية المجانية يتم العكس من ذلك، رفع ومضاعفة رسوم الخدمات الصحية في المستشفيات الحكومية ليس من اجل رفد الخزينة العامة بإيرادات عامة بل من اجل تقاسم رسوم العمليات الجراحية وجميع الخدمات الطبية في المستشفيات الحكومية ويتم تجنيبها في صناديق المستشفيات الحكومية وصرفها بشكل مباشر بالمخالفة للقانون الذي يوجب توريدها للخزينة العامة وعدم صرفها بشكل مباشر.. مضيفاً : "نأمل التحقيق في الاسعار الجنونية للخدمات الطبية التي تقدمها المستشفيات الخاصة والتي تعد نتيجة غياب الرقابة والمتابعة من وزارة الصحة عليها وعدم تحديد السقوف العليا للخدمات الطبية المقدمة منها وتوحيدها بقوائم سعرية محددة واتخاذ اجراءات رادعة ضد من يخالفها بما فيها سحب تراخيص تلك المستشفيات الخاصة بشكل عاجل ونهائي واغلاقها وسحب تراخيص مزاولة مهنة الطب عن جميع الاطباء المخالفين.
|