عبدالسلام الدباء* - أخطر ما في الركود الاقتصادي، ليس أن تتراجع حركة البيع والشراء، بل أن يفقد الناس قدرتهم على تلبية احتياجاتهم، ويصبح الحصول على أبسط متطلبات الحياة معركة يومية تستنزف ما تبقى لديهم من دخل وأمل.
في الأسواق، تبدو الصورة واضحة، من خلال بضائع معروضة، ومحال تفتح أبوابها، وتجار ينتظرون الزبائن، لكن حركة البيع لا تشبه ما كانت عليه، المشتري يتردد قبل اتخاذ قراره، ويعيد حساباته أكثر من مرة، ثم يغادر أحياناً دون أن يشتري شيئاً، ليس لأنه لا يحتاج إلى السلعة، بل لأنه لم يعد يملك القدرة على شرائها.
هذه هي إحدى صور الركود الاقتصادي التي تتجاوز حدود الأسواق لتصل إلى تفاصيل الحياة اليومية، فضعف القدرة الشرائية، وشح السيولة، وتراجع الدخول، وارتفاع تكاليف المعيشة، كلها عوامل تجعل المستهلك أكثر حذراً، والتاجر أكثر تردداً، والاقتصاد بأكمله يدور في حلقة من الانكماش المتبادل.
التاجر الذي لا يبيع بضاعته يعجز عن تجديد مخزونه أو الوفاء بالتزاماته، وربما يتوقف عن استيراد سلع جديدة أو يقلص نشاطه وعدد العاملين لديه.. والعامل الذي يفقد وظيفته أو يتراجع دخله يصبح أقل قدرة على الشراء، فتتراجع مبيعات التاجر مجدداً.. وهكذا تتسع الدائرة، ويتحول الركود من مشكلة تجارية إلى أزمة معيشية واجتماعية تطال الجميع.
وفي اليمن، تتضاعف آثار هذه الحالة في ظل الظروف الاقتصادية والمعيشية الصعبة، وتراجع مصادر الدخل، وتأخر الرواتب أو انقطاعها عن قطاعات واسعة من الموظفين، إلى جانب الانقسام المؤسسي وتعدد التحديات التي تواجه النشاط الاقتصادي.. والكثير من الأسر لم تعد تفكر في تحسين مستوى معيشتها، بل أصبح جلّ اهتمامها منصباً على تأمين ما تيسر من الغذاء اليومي و الدواء والإيجار ومستلزمات التعليم.
لكن الخطر الأكبر أن يتحول الركود إلى حالة اعتيادية يتعايش معها المجتمع، وأن يعتاد التاجر كساد بضاعته، والمستهلك عجزه عن الشراء، والعامل خوفه من فقدان مصدر رزقه.. فاستمرار هذه الحالة لا يهدد الأرباح التجارية وحدها، بل يضعف الإنتاج والاستثمار والثقة بالأسواق، ويقوض فرص التعافي الاقتصادي.
إن تحريك الأسواق لا يتحقق بالمطالبة من الناس بالشراء وهم لا يملكون المال، ولا بتحميل التجار وحدهم مسؤولية تراجع النشاط التجاري.. لأن الحل يبدأ باستعادة القدرة الشرائية، وانتظام صرف الرواتب، وتحسين مصادر الدخل، وتوفير بيئة آمنة ومستقرة للتجارة والاستثمار، إلى جانب سياسات اقتصادية تدعم الإنتاج وتخفف الأعباء عن المواطنين.
وفي الأخير.. علينا أن نعي بأن الاقتصاد ليس أرقاماً في التقارير، ولا بضائع مكدسة على رفوف المحال، بل هو إنه حياة الناس، وفرص عملهم، وقدرتهم على الإنفاق والأمل بالمستقبل.. وحين تتوقف حركة الأسواق، علينا ألا نسأل فقط: لماذا لا يشتري الناس؟ بل أن نسأل السؤال الأهم: ما الذي جعل الناس عاجزين عن الشراء؟!!
_______
* مستشار وزارة الشباب والرياضة
|