
|
|
| |
|
توفيق الشرعبي - ليست المشكلة في أن تخوض الولايات المتحدة وإسرائيل حروباً، وإنما في اعتقادهما أن امتلاك القوة يمنحهما الحق في تحديد نتائجها، وأن التفوق العسكري كفيل بإخضاع الخصوم وإعادة ترتيب المنطقة وفق إرادتهما.. فهذه النظرة التي تختزل السياسة في القوة، وتتعامل مع الشعوب وحركات المقاومة باعتبارها أهدافاً قابلة للإخضاع، هي التي جعلت "واشنطن وتل أبيب" تدخلان مواجهات تتسع تداعياتها كلما ظنتا أن الطريق أصبح ممهداً للحسم.
لقد راهن "دونالد ترامب وبنيامين نتنياهو" على أن القوة العسكرية الأمريكية والإسرائيلية تستطيع فرض معادلة جديدة في المنطقة، وأن الضربات المتلاحقة والتصعيد المفتوح والتهديد بتوسيع الحرب ستدفع محور المقاومة إلى التراجع، وتضعف قدرته على التأثير، وتعيد إنتاج واقع إقليمي لا يملك فيه الآخرون سوى القبول بالشروط الأمريكية والإسرائيلية.
لكن المشكلة التي لم يستوعبها صانع القرار في واشنطن وتل أبيب هي أن القوة قد تدمر، لكنها لا تصنع بالضرورة واقعاً سياسياً مستقراً، وأن القدرة على بدء الحرب لاتعني امتلاك القدرة على إنهائها بالشروط ذاتها التي أرادها أصحاب القرار.
وهنا تكمن إحدى المفارقات الكبرى في هذه المواجهة فكلما اتسعت دائرة الحرب، ازدادت الأسئلة بشأن أهدافها، وكلما ارتفعت كلفتها، أصبح على قادتها أن يبرروا لمجتمعاتهم لماذا يخوضونها، وماذا حققوا منها، وإلى متى سيستمر دفع ثمنها.؟
لم يكن التحدي الذي يمثله محور المقاومة بالنسبة إلى الولايات المتحدة وإسرائيل محصوراً في قدراته العسكرية، بل في رفضه للمعادلة التي أرادت واشنطن وتل أبيب فرضها على المنطقة، والقائمة على احتكار إسرائيل للأمن والقوة والقرار، وتحويل بقية الأطراف إلى مجرد كيانات مطالبة بالتكيف مع المصالح الإسرائيلية.
ومن الخطأ قراءة هذا المحور باعتباره جبهة عسكرية متجانسة تتحرك بالضرورة وفق قيادة واحدة أو حسابات متطابقة؛ فهو يضم قوى متعددة تختلف في ظروفها وأولوياتها وقدراتها، لكنها تلتقي عند معارضة الهيمنة الإسرائيلية والأمريكية ومواجهة مشروعاتهما الإقليمية.
وقد أظهرت تطورات المواجهة أن تعدد ساحات الاشتباك يفرض على الولايات المتحدة وإسرائيل حسابات أكثر تعقيداً من تلك التي اعتادتا التعامل معها في المواجهات المحدودة.. فبدلاً من أن تكون الحرب عملية عسكرية محكومة ببداية ونهاية واضحتين، أصبحت شبكة من التفاعلات الأمنية والسياسية والاقتصادية، تتداخل فيها حسابات الردع والاستنزاف وتكاليف التصعيد.
وهنا لا تكمن أهمية المقاومة في قدرتها على إلحاق الخسائر العسكرية فحسب، وإنما في قدرتها على جعل قرار الحرب نفسه قراراً مكلفاً، وفي منع الخصم من تحويل تفوقه العسكري إلى تفوق سياسي مطلق.
إن المعركة الحقيقية ليست في عدد الطائرات التي تقلع، ولا في حجم الترسانة التي تُستخدم، بل في السؤال الذي يبقى بعد توقف العمليات.. هل تحققت الأهداف السياسية التي اندلعت الحرب من أجلها؟ وهل أصبح الخصم أكثر خضوعاً، أم أن الحرب أنتجت معادلات جديدة جعلت السيطرة على المنطقة أكثر صعوبة؟
في الولايات المتحدة، لا يمكن فصل نتائج انتخابات التجديد النصفي في الثالث من نوفمبر 2026 عن المناخ السياسي والاقتصادي الذي سبقها.. فقد خسر الجمهوريون الأغلبية في مجلسي النواب والشيوخ، وتمكن الديمقراطيون من تحقيق تقدم انتخابي مهم، في ضربة سياسية لإدارة ترامب.
ومن السذاجة السياسية أن تُقرأ هذه النتيجة باعتبارها تصويتاً مباشراً ضد الحرب وحدها، كما سيكون من الخطأ تجاهل أثر السياسة الخارجية في تشكيل المزاج الانتخابي الأمريكي..
فالناخب الأمريكي لا يعيش في واشنطن وحدها، ولا يقيس نجاح رئيسه بعدد العمليات العسكرية التي ينفذها في الخارج.. إنه ينظر إلى الأسعار، والوظائف، والضرائب، والخدمات، ومستوى الأمن، وإلى ما إذا كانت سياسات حكومته تحسن حياته أم تزيد أعباءها.
وعندما يجد المواطن أن بلاده تنخرط في مواجهات عسكرية مكلفة، وأن أولوياته الاقتصادية والاجتماعية تتراجع أمام حسابات الصراعات الخارجية، فإنه يبدأ في مساءلة الإدارة التي اختارت تلك الأولويات.
وهنا يظهر التناقض في خطاب ترامب السياسي؛ فهو الذي رفع شعار أولوية المصالح الأمريكية، وقدم نفسه باعتباره الرئيس الذي يريد تجنيب بلاده الحروب المكلفة، وجد نفسه أمام تداعيات مواجهة إقليمية تفرض عليه أعباء سياسية واقتصادية، وتفتح الباب أمام خصومه لمساءلة قراراته.
إن خسارة الأغلبية في الكونغرس لاتعني نهاية سلطة ترامب، لكنها تعني أن هامش المناورة السياسية أصبح أكثر ضيقاً، وأن إدارته ستواجه رقابة أشد على الإنفاق والسياسات، وأن قراراتها الخارجية ستصبح أكثر عرضة للنقاش والمحاسبة.
والسؤال الذي يفرض نفسه هنا.. إذا كانت الولايات المتحدة تخوض الحروب باسم حماية مصالحها، فكيف يمكن تبرير حرب تتزايد تكاليفها بينما تتعاظم الانقسامات الداخلية بشأن جدواها؟
إن أخطر ما يمكن أن تواجهه الإدارة الأمريكية ليس مجرد خسارة مقاعد في الكونغرس، بل تحول الحرب من أداة لتأكيد الهيبة الأمريكية إلى قضية تستنزف رصيد الإدارة السياسي، وتكشف التناقض بين الوعود الانتخابية والقرارات العملية.
أما في "إسرائيل" فإن المشهد أكثر تعقيداً؛ لأن نتنياهو لم يكن يخوض مواجهة عسكرية فحسب، بل كان يخوض معركة على مستقبله السياسي، وعلى قدرته في إقناع المجتمع الإسرائيلي بأنه لا يزال الرجل القادر على توفير الأمن وإدارة الصراعات.
لقد حاول نتنياهو توظيف الحروب المتعاقبة لتكريس صورة القيادة التي لا تتراجع، وربط استمرار مشروعه السياسي بتحقيق ما يسميه إزالة التهديدات الاستراتيجية المحيطة بإسرائيل.
غير أن نتائج الانتخابات الإسرائيلية في السابع والعشرين من أكتوبر 2026م كشفت عن مأزق سياسي واضح؛ إذ حصل المعسكر المؤيد له على 53 مقعداً، مقابل 48 مقعداً للمعسكر اليهودي المعارض، فيما حصلت الأحزاب العربية على 19 مقعداً، بما جعل تشكيل الحكومة رهناً بحسابات ائتلافية معقدة، في ظل غياب أغلبية جاهزة لدى المعسكرين الرئيسيين.
وهذه النتيجة لا تعني أن نتنياهو خرج نهائياً من المشهد، لكنها تكشف أنه لم يتمكن من تحويل الحروب إلى تفويض انتخابي يضمن له الاستمرار في الحكم.
وهنا ينبغي التوقف عند حقيقة سياسية مهمة فالأمن هو المبرر الأكبر الذي تستخدمه الحكومات الإسرائيلية لتسويغ سياساتها، لكنه يصبح في الوقت نفسه المعيار الذي تُحاسب عليه عندما تتكرر المواجهات ولا يشعر المواطن الإسرائيلي بأن أمنه أصبح أكثر استقراراً.
فكيف يمكن لقيادة سياسية أن تقنع مجتمعها بأنها حققت الأمن، بينما تظل احتمالات الحرب قائمة، وتبقى الجبهات مفتوحة، وتتسع الخلافات الداخلية بشأن المسؤولية عن الإخفاقات وتكاليف المواجهة؟
إن إسرائيل التي اعتادت تقديم نفسها باعتبارها قوة إقليمية قادرة على فرض الردع، تجد نفسها أمام حتمية طرح سؤال مختلف :ما قيمة التفوق العسكري إذا لم يتحول إلى شعور مستقر بالأمن؟ وما قيمة الانتصارات المعلنة إذا لم تنهِ حالة القلق والانقسام داخل المجتمع؟
لقد أثبتت التجربة أن الحروب قد تمنح الحكومات مساحة مؤقتة لتأجيل الحسابات الداخلية، لكنها لا تمنحها صكاً مفتوحاً للإفلات من المساءلة. بل إن استمرار الحرب دون نتائج سياسية حاسمة قد يحولها إلى عبء يلاحق القيادة في صناديق الاقتراع.
ثمة من يحاول الفصل بين ما يجري في ساحات المواجهة وما يحدث في الانتخابات الأمريكية والإسرائيلية، وكأن السياسة الخارجية تعيش في عالم منفصل عن السياسة الداخلية. لكن هذه النظرة تتجاهل أن الحرب ليست مجرد قرار عسكري، وإنما عملية تستنزف الموارد، وتعيد ترتيب الأولويات، وتؤثر في الاقتصاد، وتخلق انقسامات داخل المجتمع، وتضع الحكومات أمام اختبارات متلاحقة.
إن العلاقة بين دور محور المقاومة والنتائج الانتخابية في واشنطن وتل أبيب ليست علاقة مباشرة أو آلية، ولا يصح القول إن المقاومة هي التي أسقطت حزباً في الانتخابات الأمريكية أو حرمت نتنياهو من الأغلبية بمفردها.
لكن من المشروع سياسياً واستراتيجياً التساؤل عن مدى إسهام المواجهة الإقليمية في رفع كلفة الخيارات الأمريكية والإسرائيلية، وعن أثر هذه الكلفة في تآكل الثقة بالقيادات التي اختارت التصعيد.
فالمقاومة لا تحتاج بالضرورة إلى تحقيق انتصار انتخابي مباشر داخل معسكر الخصم حتى يكون لمواقفها أثر سياسي؛ يكفي أن تصبح المواجهة التي يخوضها الخصم مصدراً للقلق والانقسام والاستنزاف، وأن تتحول نتائجها إلى موضوع للمساءلة داخل مؤسساته ومجتمعه.
وهذا هو أحد أوجه التحول في طبيعة الصراع؛ إذ لم تعد نتائجه محصورة في الجبهات العسكرية، بل امتدت إلى البرلمانات والانتخابات والاقتصاد والرأي العام.
المشكلة الجوهرية في الاستراتيجية الأمريكية والإسرائيلية أنها تنطلق من افتراض أن امتلاك القوة يمنح صاحبه القدرة على إعادة تشكيل الواقع متى شاء.. وهذا الافتراض يتجاهل أن المجتمعات لا تُدار بالقصف وحده، وأن إرادة الخصوم لا تختفي لمجرد تعرضهم للضربات، وأن التفوق العسكري لا يلغي التناقضات السياسية والاجتماعية والاقتصادية.
إن ترامب ونتنياهو يواجهان، كل من موقعه، سؤالاً متشابهاً.. إلى أي مدى تستطيع القوة العسكرية أن تحمي المشروع السياسي من تداعياته الداخلية؟
ففي " واشنطن " تتقدم الحسابات الاقتصادية والانتخابية والقيود المؤسسية على حسابات المغامرة الخارجية. وفي "تل أبيب" تتداخل أزمة الأمن مع أزمة القيادة والثقة والانقسام المجتمعي.
وإذا كانت الولايات المتحدة تمتلك القدرة على خوض الحروب بعيداً عن حدودها، فإنها لا تمتلك القدرة على عزل مواطنيها عن تكاليفها.. وإذا كانت إسرائيل تمتلك ترسانة عسكرية متقدمة، فإنها لا تستطيع ضمان أن تتحول كل عملية عسكرية إلى مكسب سياسي، أو أن ينتهي كل تصعيد بتعزيز الثقة بحكومتها.
وهنا تظهر المفارقة الكبرى فقد تنجح القوة في تدمير أهداف عسكرية، لكنها تفشل في إنتاج واقع سياسي قابل للاستمرار.. وقد تحقق الحكومات مكاسب ميدانية محدودة، لكنها تخسر في المقابل جزءاً من رصيدها السياسي، وتفتح على نفسها جبهات داخلية لم تكن في حساباتها.
مقصد القول.. ليست كل حرب انتصاراً، وليست كل قوة قادرة على فرض إرادتها.. إن قراءة نتائج الانتخابات الأمريكية والإسرائيلية في سياق المواجهة مع محور المقاومة تفتح الباب أمام استنتاج سياسي مهم يتجسد في أن الحروب التي تُشن لإعادة تشكيل المنطقة قد تنتهي إلى إعادة تشكيل التوازنات الداخلية لدى الأطراف التي بادرت إليها.!!
ففي الولايات المتحدة، أصبحت كلفة السياسات الخارجية جزءاً من النقاش حول أولويات الإدارة وفاعلية قراراتها.. وفي إسرائيل، لم يتمكن نتنياهو من تحويل المواجهات العسكرية إلى أغلبية انتخابية تضمن له الاستقرار السياسي..
أما محور المقاومة، فإن استمرار حضوره في معادلات الصراع، وقدرته على التأثير في حسابات الأمن الإقليمي، يطرح تحدياً أمام المشاريع التي راهنت على إنهاء دوره بالقوة العسكرية.. ومع ذلك، فإن الحكم على نتائج هذه المواجهة سيظل مرتبطاً بما يتحقق فعلياً على الأرض، وبمدى قدرة الأطراف على حماية مجتمعاتها، وتحقيق أهدافها المعلنة، وتحويل ماتحققه في الميدان إلى مكاسب سياسية مستدامة..
فالتاريخ لا يقيس الحروب بما أُطلق فيها من صواريخ، ولابما دُمر خلالها من منشآت، وإنما بما بقي بعدها من معادلات.. وقد يكون أخطر ما تواجهه القوى التي تخوض الحروب أنها تكتشف، بعد فوات الأوان، أن خصومها لم يكونوا وحدهم من يدفع الثمن، وأن الحروب التي أرادت بها إخضاع الآخرين قد فتحت عليها أبواباً من الأزمات لم تكن مستعدة لمواجهتها..
فحين تنتقل كلفة الحرب من ساحات القتال إلى صناديق الاقتراع، لايعود السؤال متعلقاً بمن امتلك القوة الأكبر، بل بمن استطاع تحمل نتائج استخدامها، ومن دفع الثمن السياسي الأكبر لقرار الحرب.!!
|

| |
|
|
|
|
|
|
|
تعليق |
إرسل الخبر |
إطبع الخبر |
معجب بهذا الخبر |
انشر في فيسبوك |
انشر في تويتر |
|
|
|
|
|