د. ربيع شاكر المهدي* - ليست كل الصحف مجرد أوراق تُطبع أو أخبار تتناقلها الأجيال فبعضها يتحول مع مرور الزمن إلى جزء من ذاكرة المجتمع وشاهد على تحولات وطن ومرآة لمراحل سياسية واجتماعية مختلفة.
ومن هذا المنظور تأتي الذكرى الرابعة والأربعون لتأسيس صحيفة (الميثاق) وصدور عددها (صفر) في الثاني من نوفمبر 1982م وهي مناسبة تستحق التوقف والتأمل لا للاحتفاء بعمر صحيفة فحسب بل لاستحضار تجربة صحفية امتدت عبر عقود من تاريخ اليمن وتحولاته.
لقد عاصرت (الميثاق) مراحل مختلفة من تاريخنا السياسي وشهدت تغيرات كبيرة في المشهد الوطني وظلت مرتبطة بتجربة المؤتمر الشعبي العام ومسيرته السياسية وهذا الارتباط لا ينتقص من قيمتها بوصفها تجربة صحفية يمنية بل يجعل من واجبها اليوم أن تستثمر تاريخها في توسيع أفق رسالتها وتعزيز حضورها في الوعي الوطني بمساحة أرحب .
إن اليمن بكل مكوناته السياسية والفكرية والاجتماعية بحاجة اليوم إلى استعادة المساحات المشتركة التي تجمع أبناءه بعيدًا عن أحكام الماضي فالمؤتمري والأنصاري والإصلاحي والاشتراكي والسلفي والليبرالي والمستقل وسائر المكونات الوطنية مهما اختلفت رؤاهم ومرجعياتهم يجمعهم وطن واحد ومصير مشترك وتطلعات إنسانية لا ينبغي أن تضيع وسط صراعات السياسة.
وليس المطلوب أن يتنازل أحد عن قناعاته بل أن يتسع الجميع لفكرة أن اليمن لا يمكن أن يُبنى بإرادة طرف واحد ولا أن يستقر باستبعاد طرف آخر ومن هنا تستطيع (الميثاق) وغيرها من المنابر الوطنية أن تؤدي دورًا مهمًا في تقريب وجهات النظر وإعادة بناء الثقة وإعلاء لغة الحوار وترسيخ قناعة بأن الاختلاف في السياسة لا يلغي الشراكة في الوطن وأن الدولة العادلة هي المظلة التي تحمي الجميع دون تمييز.
إن ما تحتاجه الصحافة اليمنية اليوم في ظل ما يعيشه البلد من انقسام وتباعد ليس مزيدًا من المنابر التي تتحدث إلى جمهورها وحده بل منابر تستطيع أن تصل إلى المختلفين معها وأن تجعل من الكلمة جسرًا للتفاهم لا جدارًا للعزلة وهنا تكمن فرصة (الميثاق) في أن تحافظ على هويتها وتاريخها وفي الوقت نفسه تفتح صفحاتها لمختلف المدارس السياسية والفكرية وتمنح الرأي الآخر حقه في الحضور والنقاش كما هو الميثاق الوطني الذي كان قاسم فكري مشترك صاغته وقتها مختلف الرؤى والاتجاهات الوطنية كوعاء جامع لكل القوى والفعاليات السياسية والفكرية كدليل عمل نظري ودليل ممارسة وطنية موحدة.
فالصحافة التي تخاطب أنصارها فقط قد تحافظ على جمهورها لكن الصحافة التي تحترم عقول المختلفين معها تستطيع أن تكسب المجتمع بأسره.
ولا يمكن الحديث عن استمرار صحيفة (الميثاق) دون الإشادة بالجهود الكبيرة التي يبذلها الأستاذ يحيى نوري رئيس التحرير حقيقة الذي تحمل مسؤولية إدارة هذا المنبر ومواصلة رسالته في أحلك الظروف وأصعب المراحل التي مر بها الوطن والعمل الإعلامي وكذلك جهود أسرة التحرير والعاملين الذين يشاركونه تلك المسؤولية فالاستمرار في إصدار صحيفة والحفاظ على حضورها وسط التحديات السياسية والاقتصادية والمهنية ليس مهمة سهلة بل مسؤولية تتطلب صبرًا وإصرارًا وإخلاصًا وشعورًا عميقًا بقيمة الرسالة التي يحملها الإعلام.
ولعل من الإنصاف أن نؤكد أن المؤسسات لا يحفظها تاريخ تأسيسها وحده وإنما تحفظها أيضًا جهود الأشخاص الذين يواصلون العمل حين تصبح الظروف أكثر قسوة ويتمسكون برسالتهم حين تتراجع الإمكانات وتتعاظم التحديات.
أما نصيحتي للميثاق في ذكرى تأسيسها فهي أن تجعل من عامها الرابع والأربعين بداية مرحلة جديدة يكون عنوانها تطوير المحتوى وتعزيز المهنية وتحليل الأحداث واستشراف مآلاتها والاهتمام بقضايا المواطن ومعيشته وبناء الدولة ومؤسساتها.
فاليمن لا يحتاج إلى إعلام يتفق أبناؤه في كل شيء بل إلى إعلام يساعدهم على الاختلاف دون عداوة وعلى الحوار وعلى البحث عن المشتركات دون أن يطلب من أحد التخلي عن قناعاته.
وأؤمن أن أعظم ما يمكن أن تقدمه صحيفة ذات تاريخ سياسي وإعلامي كالميثاق في هذه المرحلة هو أن تسهم في إعادة الاعتبار لفكرة الوطن الجامع الوطن الذي لا يشعر فيه أحد بأنه غريب بسبب انتمائه ولا يُقصى فيه رأي لمجرد اختلافه ولا تُختزل فيه الوطنية في حزب أو جماعة أو تيار وهي ذات النصيحة أقدمها لمختلف المكونات.
فالأحزاب تتعدد والاتجاهات تختلف والسلطات تتعاقب لكن الوطن يبقى والكلمة المسؤولة تستطيع أن تعيش أبعد من اللحظة السياسية التي كُتبت فيها.
في الذكرى الرابعة والأربعين تحية لصحيفة (الميثاق) على ما راكمته من حضور في الذاكرة الصحفية اليمنية وكل عام والميثاق أقرب إلى الناس وأكثر انفتاحًا على الوطن فالكلمة التي تنحاز للوطن تتسع للجميع وتلك هي القيمة الأسمى.
*سياسي يمني وباحث في بناء الدولة.
|