محمد بن ثابت الجندري * - يمثل شعار المؤتمر الشعبي العام المُقر في الميثاق الوطني في 24 أغسطس 1982م إحدى أنضج المحاولات الفكرية لصياغة فلسفة حكم توازن بين طموح الحرية ومتطلبات الاستقرار.. لا يتعامل هذا النص مع مفاهيم الحرية والديمقراطية كشعارات عاطفية مجردة بل يقدمها ضمن هندسة سياسية تسلسلية محكمة تبدأ من القاعدة التأسيسية وتنتهي بالغايات الكبرى.
حيث يبني الشعار منطقاً شرطياً صارماً يفكك عناصر الدولة الحديثة، فالحرية في جوهرها ليست حالة عفوية، بل هي ثمرة ينتجها نظام ديمقراطي يُتيح التعددية والمشاركة الشعبية. والديمقراطية بدورها هيكل هش عرضة للانهيار ما لم تتوفر له حماية مؤسسية تصونه.. وهنا يضع الشعار حجر الزاوية: الحماية لا تعني السطوة السلطوية بل تعني حماية الحقوق عبر تطبيق سيادة القانون، فالقانون هو الجذر الحقيقي الذي تتغذى منه المنظومة السياسية بأكملها.
كما يكتسب النص أهميته الاستثنائية من قدرته على حسم المفاضلة الصفرية بين الأمن والحرية، إن أدرك صانعو الميثاق الوطني أن الحرية بلا قانون تنحدر سريعاً إلى الفوضى، وأن الحماية بدون غطاء قانوني تتحول حتماً إلى قمع واستبداد.. ومن خلال جعل سيادة القانون هي المرجعية الحاكمة لعملية الحماية، تتحول أجهزة الدولة من أداة لتقييد المجتمع إلى درع يحمي حقوقه وحرياته.
وتتجلى راهنية الشعار في كونه معياراً نقدياً لا يتقادم، فهو يوضح أن الفشل السياسي يبدأ دائماً من التغاضي عن تطبيق القانون، فعندما تنكسر قاعدة سيادة القانون تنهار الحماية المؤسسية فتفرغ الديمقراطية من محتواها الأخلاقي وتتحول الحرية في النهاية إلى مجرد شعار شكلي بلا واقع.
إن هذا النص يتجاوز ظروف سياقه التاريخي ليبقى عقداً اجتماعياً ومستقبلياً يؤكد أن النهوض الوطني لا يبدأ من الشعارات البراقة بل من الترسيخ العملي لمبدأ خضوع الجميع حاكمين ومحكومين لحكم القانون.
* عضو المؤتمر الشعبي العام
|