د. علي أبو حليقة * - (المؤتمر الشعبي العام بين النظرية والتطبيق) .. دراسة فكرية تحليلية تتناول ابرز مضامين الميثاق الوطني ومحطات في مسيرته للدكتور علي أبو حليقة عضو اللجنة العامة الوزير السابق لشئون مجلسي النواب والشوري.
(الميثاق) تنشر الدراسة في حلقات..
خاتمة البحث
نظرة إلى المستقبل
يأتي المؤتمر العام السابع للمؤتمر الشعبي العام في ظل أجواء ومتغيرات تنظيمية ووطنية ودولية، ففي الصعيد التنظيمي يأتي المؤتمر العام السابع بعد إصلاحات هيكلية وإعادة البناء التنظيمي من نظام المركزية التنظيمية إلى اللامركزية، وما تَرتب على ذلك من إعادة النظر في النظام الداخلي للمؤتمر؛وصعود قيادات جديدة إلى القيادة الوسطية لقيادات الفروع وأعضاء لجنة دائمة محلية، وإلى مفصل مهم في القيادة العليا للمؤتمر كأعضاء اللجنة الدائمة الرئيسية، وكلهم يمثّلون نقلة جديدة في الكادر التنظيمي المؤهل سواءً أولئك الذين صعدوا إلى اللجنة الدائمة لأول مرة، أو أولئك القياديين الذين أبلوا بلاءً حسناً من أعضاء اللجنة الدائمة السابقين والذين حافظوا على مواقعهم عبْر صناديق الاقتراع التنظيمي..
وبالأخص وقد انتقل من العمل التنظيمي المركزي التقليدي إلى النشاط الإقليمي أو المحلي وفق رؤية تنظيمية متقدمة؛ كل ذلك يُحتّم على الجميع وفي مختلف مواقعنا التنظيمية مواكبة هذه التحولات التنظيمية المهمة وتعزيز دور ورفع وتيرة النشاط التنظيمي للمؤتمر كحزب وطني رائد حمل على عاتقه على مدار أكثر من عقدين من الزمن مختلف قضاياه وهمومه وتطلعاته..
لذلك ليس لهذا الحزب الرائد من بُـدّ من أن يتجاوز ذلك العمل التنظيمي التقليدي المتعلّق بالعمل التنظيمي الصرف إلى نشاط تنظيمي وسياسي وثقافي عام، وهذا الأمر تُعنى به قيادته العليا متمثلةً باللجنة العامة واللجنة الدائمة الرئيسية وأمانته العامة المسئولة عن تأصيل وترجمة مختلف الأنشطة التنظيمية والمؤسسية للمؤتمر، طالما وأنه سيوكل إلى قيادات وقواعد المؤتمر الوسطية والدنيا النشاط التنظيمي والسياسي على المستوى الإقليمي والمحلي..
بمعنى أن قيادات المؤتمر العليا تُعنى بالتركيز على إعداد وترجمة الأهداف الاستراتيجية الرئيسة للعمل الوطني بشكل عام وفي ضوء تعديلات ومتغيرات جديدة للنظام الداخلي الذي من المتوقع أن يقف حوله المؤتمر السابع..
ولذلك لا بد للمؤتمر في الفترة القادمة من الاضطلاع بدوره الريادي على صعيد العمل الحزبي والسياسي والتركيز على أهم الأنشطة السياسية والوطنية والتنظيمية..
فبقدر قيامه بتفعيل النشاط التنظيمي والسياسي والوطني أيضاً وفقاً لما نص عليه وينص عليه النظام الداخلي ومختلف أدبيات التنظيم، لا بد له بذات الوقت من القيام بدور فاعل في العديد من الأنشطة والتي هي في الواقع لا تخرج أصلاً عن الاختصاص العام لهذا الحزب الوطني الرائد، وهي بنفس الوقت تأتي ترجمةً حقيقيةً لأدبياتنا التنظيمية المختلفة، ومنها الميثاق الوطني الأيديولوجية الفكرية والنظرية المُـثْلى لأي عمل وطني أو سياسي أو حزبي، والذي يُعتبر المرتكز بل الأساس لعمل ونشاط المؤتمر الشعبي العام..
في الولاء الوطني:
فعلى صعيد العمل الوطني مثلاً ليس لنا من بُـدّ في تعميق الولاء الوطني وتعزيز عُرى الوحدة الوطنية في ظل الوحدة اليمنية المباركة ووفقاً لمنهاجيته ومبادئ الميثاق الوطني الذي أكد على هذا المبدأ بأهداف وتأصيل مهم، حيث جاء في بابه الثاني موصلاً للعمل الوطني حين قال: «الولاء الوطني مبدأ شريف لا ينسجم بأي حال من الأحوال مع التبعية أياً كان شكلها أو نوعها.. ففي ظل الولاء الوطني يتمكن الشعب من التفاعل والتلاحم الطبيعيين»..
وتأصيل هذا المبدأ من خلال إعداد البحوث والدراسات الوطنية وترجمة مبادئ وأهداف الميثاق الوطني، والقيام بالدور التثقيفي والتوعوي بين صفوف الجماهير، ليس الجماهير المؤتمرية فحسب بل في أوساط مختلف فئات الشعب أياً كان انتماؤهم وتوجهاتهم، واعتباره مبدأً عاماً يتحمله المؤتمر في هذا الجانب المهم..
وفي مجال تنمية الإنسان:
الإنسان كما يُقال هو هدف التنمية ووسيلتها معاً، ولذلك فليس من العمل السياسي والتنظيمي تَجاوُز هذا الهدف؛ ولذلك يجب على المؤتمر تعزيز دوره في هذا الجانب من خلال التركيز على قضايا الإنسان وحقوقه سواءً تلك المتعلّقة بالحقوق الاجتماعية أو الحقوق الثقافية، وفي الحقوق السياسية لا فرق بين الرجل والمرأة في هذا الجانب، فضمان حقوق المواطَنة المتساوية للمواطنين كفلها الميثاق الوطني، وأنه لا بد أن يملك الإنسان -كفرد وكمجتمع- الحقوق الكاملة التي تمكّـنه من ممارسة جميع الحريات الشخصية والعامة كحرية التعبير وحرية المشارَكة لجميع أفراد الشعب في النشاط العام.. كل تلك الأهداف والمنطلقات ونحوها ركز عليها الميثاق الوطني في بابه الثاني وهي محل تأصيل مستمر في حياتنا السياسية..
الانتخابات والدوائر الانتخابية:
عُرِفَ عن المؤتمر على طول تاريخه أنه حزب الوطن كله، وتَحمَّل على كاهله قضايا الوطن كلها ولا يزال وسيستمر إن شاء الله، بمعنى أنه لم يكن حزباً أنانياً أو انغلاقياً ويدور حول نفسه كما هي عادة معظم الأحزاب إذا لم أقل جميعها.. ولذلك فإن موقف المؤتمر من الانتخابات والنشاط التنظيمي بين أعضائه يمثّل دوراً ثنائياً وليس دوراً أساسياً كما عُرف عنه لإيمانه برسالته أنه حزب الوطن كله، ولذلك اضطلع بكافة قضايا الوطن وهمومه وتطلعاته..
لكن، هل سيظل المؤتمر على هذا النهج.. نَـعَمْ سيظل عليه، ولكن لا بد من قيامه بدور آخر يوازي ذلك الدور الوطني الكبير الذي يقوم به، وهو اهتمامه بالدوائر الانتخابية التي فاز بها مرشحوه، وتلك التي لم يحالف مرشحوه الحظ فيها، وهذا لا يخرج عن عمله الوطني العام الذي اضطُلع به منذ تأسيسه.. ثم أيضاً لا بد من إعداد استراتيجية انتخابية مُـثْلى تحدَّد فيها مختلف الاتجاهات والأهداف والوسائل المشروعة كعمل سياسي وحزبي وتنموي بذات الوقت، وتعميم أدائه في كل دائرة؛ فمفهوم العمل الحزبي لدى الأحزاب والتنظيمات السياسية سواءً في الداخل والخارج هو الانتخابات..
الشباب والمرأة:
هاتان الشريحتان من أهم الشرائح التي يجب أن يُعنى بها المؤتمر في مختلف أنشطته التنظيمية والثقافية والسياسية، فهما -أي الشباب والمرأة- محل تَجاذُب مُركَّـز وتَسابُق محموم من قِـبَل مختلف الأحزاب السياسية..
ولذلك لا بد للمؤتمر من تعزيز دوره إزاء هاتين الشريحتين، والدخول في أوساطهما بمختلف الوسائل الثقافية والرياضية والاجتماعية وصولاً بتنميتهما وطنياً وعِلمياً وثقافياً بل وسياسياً، والعمل على إعداد خطة استراتيجية طموحة لتحقيق الأهداف المرجوة في هذا الجانب..
الجانب الإعلامي والتواصل الجماهيري:
العمل الإعلامي الحزبي من أهم القضايا التي يجب أن يركز عليها المؤتمر في الفترة القادمة وليس كعمل موسمي مؤقت، بل لا بد من تعزيز هذا النشاط؛ فبرغم الإنجازات الكبيرة في مختلف المجالات والتي يتبناها المؤتمر وحكومته على وجه الخصوص لكن ذلك كأن لم يكن، ولوجود الإعلام المضاد من قِـبَل الأحزاب الأخرى.. ولهذا الجانب أهميته، ولذلك ليس هناك من بُـدّ على المؤتمر من أن يتبنى الإعلام الحزبي والجماهيري في مختلف الوسائل الإعلامية الحزبية والاهتمام بقضايا الاتصال والتواصل الجماهيري وتوصيل المعلومة إلى كافة أعضائه وأنصاره عن مختلف القضايا المعيشة بأسلوب حديث ووضع خطة عملية في هذا الجانب..
الدراسات والبحوث:
كغيره من الأحزاب والتنظيمات السياسية لا بد هنا من الاعتراف أن حظ المؤتمر من الدراسات والبحوث السياسية والثقافية والفكرية ربما قليل..
وهنا لا بد من الإعداد لهذا الجانب بإنشاء وحدة للدراسات والبحوث تتبع المؤتمر (الأمانة العامة).. يُعنى هذا المكوّن بإعداد الدراسات الفكرية والبحوث العلمية والثقافية المختلفة، وتقييم نشاط الأحزاب والتنظيمات المختلفة للاستفادة من الأنشطة الإيجابية وتحاشي السلبيات؛ وبذات الوقت إعداد الدراسات الفكرية في مختلف الأهداف والمبادئ والمنطلقات التي جاء بها الميثاق الوطني، وهي أفكار جديرة بالوقوف والدرس والتحليل, وهي مواد فكرية ووطنية تؤصّل لمختلف شئون الحياة، ومنها نظام الحُكم الدستوري المؤسسي والنيابي التي أكد عليها الميثاق مؤصّلاً لها تأصيلاً دستوريا متفرّداً..
الدراسات والأبحاث الصادرة عن المؤتمر:
ضرورة الوقوف حول مجمل الدراسات الفكرية الميثاقية التي صدرت عن المؤتمر خلال العقد الأول من عمره في المجالات الديمقراطية والاجتماعية والاقتصادية والوحدوية وفي جوانب الشباب والمرأة ونحوها من القضايا الوطنية التي صدرت عنه، وهي دراسات وأبحاث جديرة بإعادة طبعها وتوزيعها كعمل ثقافي وتوعوي..
في مجال الحوار الحزبي:
الحوار وسيلة جداً مهمة، ليس بين الفرد والفرد، بل على مستوى مؤسسات المجتمع المدني ومنها الأحزاب والتنظيمات السياسية.. والحوار السياسي وسيلة من الوسائل المهمة لتقارب وجهات النظر في مختلف القضايا الوطنية، الذي يُفترَض أن يكون قاسماً مشترَكاً ولغة متجانسة من أجل خدمة الوطن ومصالحه وتعزيز التلاحم الوطني وتَماسُك الجبهة الداخلية الحصن الحصين لأي مكروه أو خطر خارجي قد يهدّد سيادتنا واستقلالنا.. وما أكثر الأخطار التي تُحاك في تاريخنا ضد الدولة العربية..
لكن من المؤسف أن أحزاب المعارضة لا تنتبه لمثل هذه الإجراءات أو الجوانب إلا عندما توجد أزمة معينة، وهذا أمر طبيعي في حياة الشعوب، أو وجود أزمات، فتهرع تلك الأحزاب للحوار لتحقيق بعض الصفقات على حساب الوطن، وهذا ما يُؤسَف له فعلاً..
لكن ما هو دور المؤتمر إزاء هذا المبدأ كحزب رائد الذي يعمل على طول وعرض الساحة اليمنية، أتمنى على المؤتمر أن ينشط في هذا المجال مهما عانى صلف بعض الأحزاب، وأن يعد لذلك استراتيجية واضحة تحدد فيها الأهداف الوطنية للحوار، وتحديد آلياتها ووسائلها المشروعة وطرقها، محافظاً على الثوابت الوطنية، بحيث لا تُفرَض على المؤتمر أجندة وأهداف قد تمس تلك الثوابت.. وأن يكون المؤتمر مبادراً لإحياء وتأصيل تلك الحوارات والنقاشات لا مَدْعُوَاً إليها، وأن يبادر إلى إيجاد ميثاق شرف وطني يؤصّل أولاً الولاء الوطني وتعميق جذور الوحدة الوطنية التي هي الأساس في الوحدة اليمنية المباركة، على أن تُستمَد تلك الأسس من أسس ومبادئ وأهداف الميثاق الوطني الذي يُعد -كما أعتقد- محل إجماع وطني لكل الشرائح، فهو نظرية وطنية شاملة ينطلق المؤتمر الشعبي العام في كل نشاطه من أسسها ومبادئها..
في مجال النشاط الخارجي:
لا شك أن المؤتمر يتمتع بنشاط خارجي مع العديد من الأحزاب والمنظمات العربية والدولية، وربما يكون أكثر الأحزاب نشاطاً في هذا الجانب.. وفي ظل المتغيرات الدولية الجديدة بمختلف توجهاتها الإيجابية والسلبية لا بد للمؤتمر من أن يوطّن نفسه في تعزيز النشاط الخارجي وأن يتبنى علاقات توائم مع مختلف الأحزاب والتنظيمات السياسية والمنظمات الدولية الإنسانية في الخارج وفق أهداف وأسس معدة مسبقاً وبما يخدم قضايا الوطن على الصعيد الدولي، والاستفادة من التجارب الإنسانية في المجال الحزبي والسياسي والإنساني، ووفق منظور ومفهوم الميثاق الوطني..
وأختتم حديثي هذا بأن عضو المؤتمر الشعبي العام -وفي أي موقع كان سواءً في العمل التنظيمي أو التنفيذي- مُطالَب اليوم بالعمل الجاد والمستمر والدؤوب من أجل المزيد من الإنجازات والانتصارات الوطنية سواءً في المجال التنموي أو الاجتماعي أو الثقافي والاقتصادي ونحو ذلك من الأنشطة، فالواقع الذي نعيشه منظومة مترابطة بأسسها الاقتصادية والاجتماعية والثقافية بل والسياسية أيضاً، بالإضافة إلى الدور الذي يجب أن يضطلع به المؤتمر بالنشاط في أوساط المجتمع، وذلك ما يجعله يحمل الريادة كما عهدته الجماهير.
* عضو اللجنة العامة للمؤتمر - عضو مجلس النواب - الوزير الأسبق لشئون مجلسي النواب والشورى
|