
|
|
| |
|
د. ربيع شاكر المهدي - إعادة بناء اليمن ليست فقط إسمنت وحديد وحجر، بل هو مشروع استعادة الإنسان والزمن التنموي المفقود، فالإعمار الحقيقي لا يقتصر على ترميم ما تهدم، بل يمتد إلى ردم الفجوة الحضارية التي عزلت العقل اليمني عن قفزات العصر المعرفية والرقمية..
لن أتحدث هنا عن الحرب والقتلى والدمار والاقتصاد، بل سأتحدث لكم عن مستويات أعمق من الخسارة.. تدمير الإنسان والكفاءة والمعرفة والهوية الوطنية الجامعة وتدمير الزمن التنموي والحضاري.. لكن ما لا يظهر عادةً في السرد المباشر للحرب هو أن خسارة رأس المال البشري لا تحدث دفعة واحدة، بل عبر آليات صامتة تعمل ببطء وتراكمية حتى تبدو النتائج وكأنها قدرٌ طبيعي لا نتيجة للحرب..
الفاتورة الحقيقية للحرب في اليمن لا يمكن حصرها في الأرقام الصمّاء ولا في حساب المليارات الضائعة من الناتج المحلي الإجمالي، بل تُـقاس بحجم الفرص الضائعة وخسارة المستقبل الذي سرق منا والفجوة الزمنية والحضارية التي اتسعت بجفاء بين اليمن والعالم، فالحرب لا تسرق الحاضر فقط بل تسرق الزمن التنموي للأمم..
اليمن دفع ثمناً باهظاً يفوق القدرة على الوصف طيلة أكثر من عقد، الكلفة لم تكن مادية فحسب بل تمزق في النسيج الاجتماعي وضرب الهوية الوطنية الجامعة لصالح هويات مناطقية ومذهبية وفئوية ضيقة واستنزاف الموارد البشرية وتدمير البنية التحتية والمؤسسية للدولة..
ولقراءة حجم هذه الخسائر بعين التحليل يمكن تفكيك المشهد المركب لمعرفة أين تكمن الشروخ الحقيقية في جسد الوطن..
الخسائر البشرية كانت هي الشرخ الأعمق.. مئات الآلاف من الضحايا سقطوا إما بسبب المواجهات المباشرة أو نتيجة التداعيات غير المباشرة كالجوع والمرض والأوبئة وغياب الرعاية الصحية..
الخسارة الأكبر تكمن في فقدان أجيال من الشباب والأطفال الذين يمثّلون رأس المال البشري ومستقبل البلاد فالحروب لا تقتل البشر فقط بل تقتل الزمن الذي يحتاجه الإنسان ليبني نفسه فالطفل الذي حُرم من التعليم لسنوات، والشاب الذي استبدل قاعة الدراسة بخنادق الصراع أو رحلة النزوح لا يخسران سنوات من العمر فقط، بل تخسر البلاد طاقات إنتاجية ومعرفية كان يمكن أن تشكّـل رافعة للتنمية لعقود قادمة، وحتى مَنْ يواصل التعليم يجد نفسه أمام اقتصاد لا يستوعب مهاراته، فهناك فجوة بين ما يُعرف وما يمكن فعله به وهذا يخلق نوعاً من البطالة المقنّعة للعقول لا للأيدي فقط..
وهناك النزوح والتهجير إذ تحول ملايين اليمنيين إلى نازحين داخل وطنهم أو لاجئين ومغتربين مما أدى إلى اقتلاع مجتمعات محليّة كاملة من جذورها وتغيير ديموغرافي واجتماعي عميق..
ومن أخطر صور استنزاف رأس المال البشري موجات هجرة العقول والكفاءات إلى الخارج بحثاً عن الأمن والاستقرار وفرص العمل، فالدول لا تخسر فقط من يغادرون حدودها بل تخسر سنوات طويلة من الاستثمار في تعليمهم وتأهيلهم.. ومع استمرار نزيف العقول تتراجع القدرة الوطنية على إعادة البناء والتحديث لأن إعادة إعمار المؤسسات تحتاج إلى الخبرات بقدر حاجتها إلى الأموال..
وهناك واحدة من أخطر الخسائر غير المرئية هي تآكل الذاكرة المؤسسية للدولة حيث خرجت أجيال كاملة من الخدمة العامة دون نقل خبراتها ما جعل المؤسسات تبدأ من الصفر مراراً بدل التراكم وانقسمت النظم المالية والإدارية مما أدى إلى فقدان السيادة المؤسسية الموحدة وتحول الاقتصاد إلى جزر معزولة وانقطاع مرتبات موظفي القطاع العام لسنوات طويلة وهذا مثّل ضربة قاضية للاستقرار المعيشي وأدى إلى ما يمكن وصفه بهندسة الجوع حيث تحولت لقمة العيش والاحتياجات الأساسية إلى أداة ضغط يومية عانى منها ملايين المواطنين وانهيار العملة والبنية التحتية وتراجع القيمة الشرائية للعملة المحلية بشكل حاد وتضررت المنشآت الحيوية من طرقات وجسور ومطارات وموانئ وشبكات كهرباء ومياه مما أعاد عجلة التنمية عقوداً إلى الوراء..
تشير تقديرات اقتصادية متعددة إلى أن الخسائر التراكمية المباشرة وغير المباشرة للحرب قد بلغت مئات المليارات من الدولارات مع تجاوز كلفة الفرص الضائعة واستنزاف رأس المال البشري في كثير من التقديرات للخسائر المادية المباشرة ويعكس ذلك حقيقة جوهرية مفادها أن الأضرار الأكثر عمقاً لم تكن تلك التي أصابت الحجر بل تلك التي أصابت الإنسان وقدرته على الإنتاج والتعلم والابتكار..
الخسارة الحقيقية لليمن لا تُـقاس فقط بالمليارات الضائعة من الناتج المحلي الإجمالي، بل تُـقاس بحجم الفرص الضائعة (خسارة المستقبل) واتساع الفجوة الزمنية والحضارية التي فصلت اليمن عن مسار التطور العالمي، فالخسارة لا تقتصر على المال والإنسان فقط بل امتدت إلى اقتصاد الزمن المفقود، فبالإضافة إلى فقد الدولة سنواتها فقدت أيضا القدرة على اللحاق بمسارات النمو العالمية التي تتسارع خارج نطاقها الزمني فالأموال يمكن تعويضها؛ أما السنوات الضائعة من عمر الإنسان ومن مسار التنمية فإعادتها تكاد تكون مستحيلة فبينما كانت الدول تقفز نحو الثورات التكنولوجية والاقتصاد الرقمي أُجبر الإنسان اليمني على الانكفاء قروناً إلى الوراء ليخوض معركة بدائية مريرة من أجل البقاء مكافحاً لتوفير الغذاء والماء والدواء والطاقة بالإضافة إلى الصدمات النفسية الجمعية المتراكمة جراء العوز المستديم.. إنها كلفة المستقبل المنهوب الذي تحولت فيه طاقات الشباب من البناء والابتكار إلى وقود لإدارة الأزمة وهي خسارة وجودية يصعب ترميمها فأخطر التحولات الصامتة هو انتقال المجتمع من منطق الاستثمار في التعليم والمهارات إلى منطق يومي لإدارة البقاء وهو ما يغير بنية التفكير الجمعي للأجيال فالتعليم في الظروف المستقرة يولد عائداً تراكمياً، لكن في حالات الحرب يتحول إلى استثمار مؤجل أو مفقود ما يعني أن كل سنة تعليم ضائعة لا تُفقد سنة واحدة فقط بل تفقد معها دورة إنتاج كاملة فكل سنة حرب لا تعني فقط سنة ضائعة بل اتساع المسافة مع العالم بعدة سنوات مستقبلية إضافية بسبب تسارع التطور العالمي..
في هذه الحالة تغيرت بنية القرار داخل الأسرة بحيث يُقدَّم إيجاد فرصة عمل سريع على التعليم.. والهجرة على التخصص.. والدخل الفوري على التراكم المعرفي؛ وهكذا لا تخسر الدولة أفراداً فقط بل تخسر نمط التفكير المستقبلي حيث يحصل ما يمكن تسميته بالانزياح الزمني للمجتمع حيث لا يعود المجتمع متأخراً فقط عن العالم بل يعيش زمناً مختلفاً عنه.. فبينما يدخل العالم في اقتصاد المعرفة والتقنيات ينشغل المجتمع بتوفير لقمة عيشه وهذا لا يخلق فجوة تنموية فقط بل فجوة في الإيقاع التاريخي نفسه وينشأ جيل يكيّف طموحه مع حدود الأزمة التي يعيشيها وفُرضت عليه لا مع حدود الممكن؛ وعندما تنخفض سقوف التوقع لا تنخفض الأحلام فقط، بل تنكمش القدرة على تخيل المستقبل ذاته، وهذا أخطر ما لا يُـقاس بسهولة وهو التشوُّه طويل المدى في توقعات الجيل الجديد..
ومن أعمق مستويات الفقد ما يمكن تسميته باختلال التموضع داخل الزمن العالمي؛ فالمسألة لا تتعلق بتأخر اليمن عن مسار التطور فقط بل بتباين الإيقاع التاريخي نفسه، فالعالم يتحرك اليوم داخل زمن متسارع تحكمه الثورات التكنولوجية واقتصاد المعرفة وسلاسل القيمة الرقمية بينما يعيش جزء واسع من المجتمع اليمني داخل زمن مختلف تحكمه أولويات البقاء الأساسية، وهذا التباين لا يخلق فقط فجوة تنموية بل ينتج ازدواجاً في الزمن الإنساني.. زمن عالمي يتقدم بسرعة هندسية، وزمن محلي يتقدم ببطء شديد أو يتراجع أحياناً..
ومع استمرار هذا الانفصال لا يصبح التحدي هو اللحاق بالركب فقط، بل إعادة الدخول أصلاً إلى نفس الزمن الذي يتحرك فيه العالم.. ومن هنا فإن الخطر الأعمق ليس في فقدان سنوات التنمية بل في فقدان القدرة على التزامن مع التاريخ العالمي، أي أن تتحول اليمن من فاعل داخل الزمن إلى مجتمع يعيش على هامش الزمن يراقب التحولات بدل أن يشارك في صُنْـعها..
ومن هنا فإن إعادة الإدماج في الزمن العالمي لا تعني اللحاق بالآخرين بل إعادة بناء القدرة على المشاركة في إنتاج الزمن ذاته أي التحول من مجتمع يستهلك التاريخ إلى مجتمع يصنع موقعه داخله..
وللتوضيح أكثر، عندما فُرض على اليمن الحرب انكمش زمنها الداخلي وأصبح موجَّهاً نحو البقاء وإدارة الضرورات الأساسية؛ وهنا تَباطأ التقدم إلى حد يفقد معه القدرة على مواكبة التسارع الخارجي؛ وبدلاً من أن يكون الزمن المحلي جزءاً من الزمن العالمي تحول إلى مسار منفصل يتحرك بإيقاع مختلف فاتسعت المسافة بين ما يحدث داخلياً وما يحدث في العالم وهنا نشأت الفجوة الزمنية، حيث كل سنة تحمل قفزات معرفية وتقنية أكبر من سابقتها؛ بينما أصبح الزمن المحلي زمناً تعويضياً أو استهلاكياً تُصرف فيه الجهود على سد الاحتياجات فقط لا على إنتاج المستقبل، وبهذا المعنى لا تتجسد الفجوة في التأخر فقط؛ بل في فقدان القدرة على الدخول في نفس خط الزمن أصلًا..
ومع تَراكم هذه الخسائر لم تعد القضية مجرد معالجة آثار الحرب. بل منع تَحولها إلى إرث تاريخي يقيّد مستقبل الأجيال القادمة..
الخروج من هذا النفق المظلم لا يتطلب فقط إعادة إعمار الحجر، بل يتطلب أولاً إعادة الاعتبار للإنسان اليمني وللمؤسسات الوطنية والانتقال من إدارة الأزمة إلى استراتيجية بناء الدولة الحقيقية..
إن أخطر ما كشفته الحرب في اليمن ليس حجم الخراب المادي وحده، بل عمق التحول الذي أصاب الإنسان نفسه، فقد تآكل الزمن التنموي وانكمشت القدرة على الحُلُم وتراجع موقع المجتمع داخل الإيقاع العالمي المتسارع..
تُـظهِر تجارب دول خرجت من حروب طويلة، أن استعادة الزمن التنموي المفقود ممكنة جزئياً لكنها لا تعني العودة إلى النقطة نفسها التي توقفت عندها التنمية، بل القفز إلى مسار جديد أكثر تسارعاً ففي رواندا مثلاً لم تقتصر عملية التعافي بعد الإبادة الجماعية عام 1994م على إعادة بناء البنية التحتية بل جرى الاستثمار المكثف في التعليم والإدارة ما سمح لها بتجاوز بعض مراحل التنمية التقليدية والالتحاق مباشرةً باقتصاد المعرفة في أفريقيا..
وفي البوسنة والهرسك ورغم تعقيدات ما بعد اتفاق دايتون ساعد الاندماج المؤسسي مع الاتحاد الأوروبي في إعادة تنظيم الاقتصاد والإدارة العامة وفق معايير حديثة ولو بشكل غير متكافئ.. أما في فيتنام فقد أدى الانتقال من اقتصاد الحرب إلى اقتصاد السوق والانفتاح التدريجي إلى خلْق قفزة زمنية جعلتها تتجاوز مراحل وسيطة من التصنيع التقليدي نحو سلاسل إنتاج عالمية مباشرة، وتشير هذه النماذج إلى أن استعادة الزمن التنموي لا تتم عبر استرجاع ما فُـقِـدَ، بل عبر إعادة تَموضع الدولة داخل الزمن العالمي من خلال التعليم وبناء المؤسسات والانخراط في الاقتصاد المعرفي بما يسمح بتقليص الفجوة الزمنية بدلاً من محاولة محوها..
ولكي نكون واقعيين لا يمكن لأي دولة خرجت من حرب طويلة أن تعود إلى نفس الزمن الذي كانت فيه أو الذي كان يمكن أن تكون عليه، لأن الزمن العالمي نفسه لا يتوقف بل يتسارع باستمرار، لكن يمكن للدول أن تعيد التزامن مع هذا الزمن بدرجات متفاوتة أي أن تقلّص الفجوة بدل أن تمحوها؛ العودة هنا ليست رجوعاً إلى الخلف بل إعادة إدماج في الحاضر العالمي عبر قفزات نوعية في التعليم والحوكمة والتكنولوجيا وإعادة بناء الإنسان قبل الحجر، وبذلك يصبح الهدف ليس استعادة ما ضاع من زمن، بل استعادة القدرة على الدخول مجدداً في إنتاج الزمن نفسه، أي التحول من حالة التأخر التاريخي إلى حالة المواكبة النشطة.. وفي هذا المعنى يمكن لليمن -رغم عمق الفجوة- أن يستعيد موقعه داخل الإيقاع العالمي، لكن ذلك يتطلب إدراكاً واضحاً بأن الزمن لا يُسترجع بل يُعاد الانخراط فيه من نقطة جديدة تماماً.
|

| |
|
|
|
|
|
|
|
تعليق |
إرسل الخبر |
إطبع الخبر |
معجب بهذا الخبر |
انشر في فيسبوك |
انشر في تويتر |
|
|
|
|
|