موقع المؤتمر نت



موقع مايو نيوز



موقع معهد الميثاق


صنعاء توسّع استهدافاتها في العمق السعودي - العميد سريع: العدو يستهدف يختاً هندياً - الخارجية: لا خطر على الملاحة في البحر الأحمر - 62 غارة عدوانية خلال 24 ساعة - مع دعوات حوار "يمني-يمني" ينهي حالة الحرب.. إلى أين يقود السياسيون اليمن..؟! - إسقاط طائرة سعودية جديدة - نائب رئيس المؤتمر يعزي في استشهاد الشيخ البارق - ارتفاع عدد ضحايا العدوان على ضوران آنس - نائب وزير الخارجية يوّجه رسائل إلى الدول الإسلامية - لبوزه يهنىء رئيس المؤتمر بالعيد ٦٣ لثورة ١٤ أكتوبر -
مقالات
الميثاق نت -

الإثنين, 15-يونيو-2026
د. ربيع شاكر المهدي -
إدارة التنوُّع قضية أمن وطني واستقرار سياسي وتنموي ومورد استراتيجي يمكن أن يتحول إلى مصدر قوة إذا أُدِيرَ بصورة صحيحة؛ فالأوطان لا تُبنى بإلغاء الاختلاف بل بإدارته، ولا تُحفَظ بفرض التشابه بل بصناعة مساحة عادلة يتعايش فيها الجميع..
في التوقيت الإقليمي والمحلي الراهن حيث تشهد الجغرافيا السياسية تحولات عاصفة وتحديات وجودية يبرز سؤال الهوية وإدارة التنوع كأحد أهم اختبارات النضج الحضاري للأمم، فالعبور من ضِيق الفوضى والنزاعات إلى سِعة الاستقرار المؤسسي لا يبدأ بفرض القناعات بالقوة بل بالإقرار الواعي بالحقوق والحريات.. من هنا تصبح قضية المساس بعقائد الآخرين ومقدساتهم واحدة من أخطر المهددات التي تضرب السلم الأهلي في مقتل وتعيق مشروع بناء الدولة الحديثة..
لكن السؤال الجوهري لا يكمن في وجود التنوع بحد ذاته بل في كيفية إدارته، فإدارة التنوع لا تعني تذويب الهويات أو إلغاء الخصوصيات الفكرية والعقائدية بل تعني تنظيم العلاقة بينها ضمن إطار وطني جامع يحكمه القانون والمواطَنة المتساوية.. ولكي يتحول التنوع إلى مصدر قوة لا بد أن يلتزم كل مكوّن بحق أفراده في التمسُّك بعقيدتهم والدفاع عنها بالوسائل الفكرية والحوارية المشروعة دون السعي إلى فرضها على الآخرين أو الانتقاص من معتقداتهم؛ فكما يطالب كل طرف باحترام مقدساته فإن عليه أن يحترم مقدسات غيره وأن يميّز بين حقه في التعبير عن قناعاته وحق الآخرين في الاحتفاظ بقناعاتهم المختلفة؛ وعندما تُضبَط هذه المعادلة المتوازنة في الوعي المجتمعي وتُحمى بسيادة القانون يصبح الاختلاف مجالاً للتنافس الإيجابي والإثراء الفكري لا سبباً للصدام والانقسام، وتبقى الدولة العادلة هي الضامن لهذه المعادلة من خلال تطبيق القانون على الجميع وحماية الحقوق والحريات دون تمييز..
أنا لا أطلب من أي مكوّن أن يتنازل عن عقيدته ويقينه أو أن يتخلى عن خصوصيته الإيمانية لصالح قناعات الآخر، بل على العكس تماماً فاحترام عقيدة الآخر هو الثمن الذاتي والضمانة الموضوعية لحماية عقيدتك أنت أولاً، فالقاعدة الفكرية والسياسية الثابتة تقول إن البيئة التي تسمح بانتهاك مقدسات جيراني اليوم هي ذاتها البيئة التي ستستبيح مقدساتي غداً عند أي تَحول في موازين القوة.. من هنا يصبح الدفاع عن حق الآخر في الاختيار حمايةً غير مباشرة لحقك في الوجود.. إنها معادلة أمان تبادلية، حيث يتحول القانون العادل من سيف مصلت على الرقاب إلى درع واقٍ يحمي الجميع ويضمن لكل صاحب معتقد أن يمارس شعائره ويدعو لأفكاره بالتي هي أحسن في ظل بيئة وطنية تضمن كرامته ولا تستهدفه في أعمق وأقدس ما يملك لأن المساس بعقائد الآخرين من أخطر القضايا التي تمس السلم الأهلي والاستقرار المجتمعي؛ فالعقيدة ليست مجرد أفكار عابرة أو نظريات قابلة للتفنيد أو المساومة بل هي الهوية الروحية والعمق النفسي والموجّه السلوكي للإنسان..
في المقابل فإن احترام عقيدة الآخرين لا يعني الاقتناع بها أو تبنّيها بل يعني الإقرار الأخلاقي بحق الآخر في الوجود والاختيار، وهذا الاحترام المتبادَل يتيح بيئة آمِنة يصبح فيها التنوع مصدر ثراء وقوة للدولة وليس نقطة ضعف أو ثغرة للاختراق؛ وعندما يتحقق هذا النضج الحضاري يكف الاختلاف عن كونه لغماً يهدد الحاضر، ليصبح ركيزة مرنة تستوعب صدمات التحولات الراهنة وتفتح للأجيال القادمة فضاءً آمناً يتسع للجميع ويضمن بقاء الدولة كمؤسسة حية وقادرة على الاستدامة والتجدُّد..
وليس هذا الطرح مجرد تصور نظري بل تؤكده تجارب أمم عديدة استطاعت تحويل التنوع من تحدٍ إلى مصدر قوة؛ ولعل في تجارب بعض الأمم الكبرى كالهند وغيرها دليلاً حياً وشاهداً تاريخياً على نجاح هذه المعادلة الحضارية فهذه البلدان التي تضم تحت سقفها آلاف الديانات والمذاهب والقوميات واللغات لم تمنعها هذه الفسيفساء المعقدة من صياغة هوية وطنية جامعة ولا من تحقيق قفزات تنموية وعلمية هائلة لتدخل مصاف القوى الفاعلة عالمياً؛ وسر نجاح هذه التجربة لا يكمن في إنكار هذا التنوع الضخم أو محاولة صهره قسراً بل في إدراكهم الجمعي أن التعايش الواعي والاحترام المتبادَل بين المكونات هو أساس الأمن القومي حيث تحول التنوع هناك بفعل سيادة القانون وحوكمة الاختلاف من فتيل للتناحر إلى وقود للتكامل وبناء الدولة حيث يتعايش الملايين على اختلاف مشاربهم الروحية بحُب ومسؤولية مشترَكة ليبرهنوا للعالم أن الأوطان المستقرة تُبنى بالاتساع لا بالانغلاق وباحترام قدسية الخصوصية تحت مظلة المواطَنة المتساوية..
إن ركيزة الدولة الحديثة والمستقرة تقوم على سيادة القانون وحماية الحقوق والحريات وعلى رأسها حرية المعتقد واحترام العقائد هو الخطوة الأولى لترسيخ مفهوم التعايش السلمي وتحويل المجتمع من حالة النزاع إلى حالة الاستقرار المؤسسي فعندما يشعر كل فرد في المجتمع بأن مقدساته ومعتقداته مصونة ومحترمة من قِبل شركائه في الوطن يتولد لديه شعور بالانتماء والأمان مما يدفعه للمساهمة الإيجابية في بناء مجتمعه..
الاحترام يغلق أبواب السخرية والتهجم ويفتح بدلاً منها قنوات الحوار الإنساني الراقي، وهذا الحوار لا يهدف إلى إذابة الفروق بل إلى فهم الآخر والبحث عن المشتركات الإنسانية والأخلاقية التي تجمع البشر مثل العدل والصدق وحفظ الكرامة الإنسانية..
التاريخ والحاضر يثبتان أن الصراعات القائمة على خلفيات عقائدية ودينية هي الأشد ضراوةً والأصعب احتواءً لأنها تتحول من خلاف سياسي أو اقتصادي يمكن التفاوض عليه إلى صراع وجودي صفري..
عندما يُستهدف معتقد جماعة ما داخل الوطن الواحد يتلاشى مفهوم المواطَنة المشترَكة ويحل محله الانقسام والفرز المجتمعي مما يحول المجتمع إلى كانتونات متنافرة مليئة بالشك والريبة واستمرار دوامة الصراع..
لا يمكن لأي دولة أو مجتمع أن يتجه نحو التنمية والتطوير والتطور العلمي ما دام غارقاً في صراعات هوياتية وغياب الاستقرار الروحي والمجتمعي يستنزف طاقات الدولة البشرية والمادية في معارك عبثية، فالمساس بالمعتقدات لا يغيرها بل يدفع أصحابها نحو الانغلاق والدفاع الشرس، وقد ينتج عن ذلك ردود أفعال متطرفة تؤدي إلى دورات لا تنتهي من العنف المتبادَل..
احترام عقيدة الآخر مهما كانت مخالفة ليس مجاملة اجتماعية بل ضرورة وجودية وصمام أمان لحفظ الدماء وصون الأوطان، فالقوة الحقيقية لأي أمة لا تكمن في فرض رأي واحد بقوة الإكراه بل في قدرة مؤسساتها وفكرها على استيعاب التنوع وإدارته بحكمة لجعل الاختلاف جسراً للتكامل لا خندقاً للتناحر.
أضف تعليقاً على هذا الخبر
ارسل هذا الخبر
تعليق
إرسل الخبر
إطبع الخبر
معجب بهذا الخبر
انشر في فيسبوك
انشر في تويتر
المزيد من "مقالات"

عناوين أخرى

الافتتاحية
الذكرى 63 لثورة 14 أكتوبر المجيدة عام 1963م
أ. د / عبدالعزيز صالح بن حبتور*

حوارات
جريمة الرئاسة
مقالات
تكامل الجهد الرسمي والمجتمعي ضرورة لا تقبل التأجيل
يحيى نوري

قوة الحقيقة تهزم الإعلام الخبيث
أحمد الزبيري

في الحرب.. تأمين المدنيين أولاً..!!
د. عبدالوهاب الروحاني

14 أكتوبر.. عيد كل اليمنيين
سلوى علي أحمد بالخير*

لا خيار أمام اليمنيين إلا التصالح فيما بينهم
أ‌. د. أحمد قايد الصايدي

14 أكتوبر.. من التحرر من الاستعمار إلى استعادة القرار
د. عبدالعزيز ﺍﻟﺒﻜﻴﺮ

ثورة 14 أكتوبر.. إرادة وطن وشعب لا يُهزم
عبد السلام الدباء*

مَنْ يذبح اليمنيين شريكٌ في جريمة الصمت!
د. يحيى أبو زكريا

شهادة إعلامي سوري : حركة التصحيح والتضامن العربي بين الحمدي وأمين أبو راس
بقلم: فيصل بن أمين أبو راس

تشهد أزمة حادة في المياه .. خمر تستنفد مياهها الجوفية
محمد الدلواني

اليمن في حرب ضروس.. لماذا يغيب الحكماء ؟
علي أحمد مثنى

جميع حقوق النشر محفوظة 2006-2026 لـ(الميثاق نت)