موقع المؤتمر نت



موقع مايو نيوز



موقع معهد الميثاق


الراعي يوّجه رسالة عاجلة إلى البرلمان الأوروبي - الخارجية: النظام السعودي يهدد حركة الملاحة - صنعاء توسّع استهدافاتها في العمق السعودي - العميد سريع: العدو يستهدف يختاً هندياً - الخارجية: لا خطر على الملاحة في البحر الأحمر - 62 غارة عدوانية خلال 24 ساعة - مع دعوات حوار "يمني-يمني" ينهي حالة الحرب.. إلى أين يقود السياسيون اليمن..؟! - إسقاط طائرة سعودية جديدة - نائب رئيس المؤتمر يعزي في استشهاد الشيخ البارق - ارتفاع عدد ضحايا العدوان على ضوران آنس -
مقالات
الميثاق نت -

الإثنين, 15-يونيو-2026
مبارك حزام العسالي -
في معترك السياسة وإدارة الشأن العام لا توجد خطيئة تمر دون ثمن، بل الخطيئة الكبرى التي لا تُـغتفر ولا تُـعوض هي عمى الفراسة في اختيار الدائرة المحيطة؛ فالتاريخ يثبت في كل عصر أن القادة والمصلحين لا يسقطون غالباً بسبب قوة خصومهم أو شراسة المعارك الخارجية، بل بسبب هشاشة بطانتهم وسوء اختيارهم لِمَنْ يأتمنونهم على أسرارهم وتوجهاتهم الدقيقة، وتلك الثغرة الداخلية هي التي ينفذ منها الفشل ليعصف بأعتى البناءات وأكثرها رسوخاً؛ والسياسة والحُكم في جوهرهما ليسا ألقاباً بروتوكولية ولا كراسي تُحاط بالهيبة الزائفة والمظاهر الخداعة، بل هما فراسة نافذة وحكمة بالغة تقرأ ما وراء الوجوه وتزن الرجال بميزان الجدارة لا بميزان الولاء المصطنَع؛ فالمناصب قد تمنح النفوذ والسلطة لكنها لا تمنح البصيرة أبداً، وإذا عُـرّي صاحب القرار من الفراسة تحولت مناصبه إلى شِراك يسقط فيها بغفلة منه، وأصبح مشروعه مرتعاً خصباً للمنتفعين والمتسلقين الذين يزيّنون له الوهم ويحجبون عنه الحقائق حتى يقع المحظور وتنهار الأسس..

عانى اليمن طويلاً من ظاهرة تقريب المصفّقين والمتسلّقين والانتهازيين على حساب رجال الدولة الحقيقيين والتكنوقراط؛ والنتيجة كانت دائماً ارتباك الخطط الاستراتيجية، وضياع المشاريع الوطنية الكبرى في دهاليز الفساد والمصالح الضيقة للبطانة المحيطة بصُناع القرار..

أكبر طعنة تَلقتها الدولة اليمنية بمختلف عهودها وتحولاتها لم تكن دائماً بسبب قوة الخصوم، بل بسبب تفضيل "أهل الثقة والمصالح" على "أهل الكفاءة والخِبرة".. هذا الخلل التاريخي في الفراسة السياسية هو الذي فرَّغ المؤسسات من قيمتها، وجعل القرار الإداري والسياسي هشاً أمام العواصف والتحولات..

وحين يغيب الغربال الدقيق في تقييم الرجال وتغدو المعايير قائمة على التزكية العابرة، تصبح البيئة المحيطة بصاحب القرار بيئة طاردة للكفاءات الحقيقية وأصحاب الرأي السديد، جاذبة لأصحاب المصالح الضيقة الذين يتقنون فن التلوّن، وهذا الغياب للفراسة يترتب عليه أثمان باهظة من رصيد الدولة والمستقبل؛ فالسماح لأصحاب الولاءات المتقلّبة بالوصول إلى مفاصل القرار الحساسة ومراكز التوجيه يجعل المشروع بأكمله مكشوفاً وعرضة للاهتزاز والارتباك عند أول هزة أو أزمة حقيقية تواجه البلاد، حيث يختفي أهل المصالح ويبقى القائد وحيداً في مواجهة العاصفة.. كما أن البطانة الفاسدة أو الجاهلة تعمل كجدار عازل مصمت يحجب الرؤية الحقيقية عن القائد وتصوّر له الخطأ صواباً والهزيمة نصراً، مما يقود بالضرورة إلى اتخاذ قرارات كارثية تعزل القيادة عن نبض الشارع، وتدمّر الرصيد الشعبي والسياسي الذي بُنيَ خلال سنوات طويلة.. وبناء أي مشروع استراتيجي يتطلب رجالاً يحملون فكرة وعقيدة البناء الصلب ويمتلكون من الكفاءة ما يؤهلهم لقيادة الأزمات، وليس مجرد موظفين يبحثون عن مكاسب سريعة ومناصب زائلة، وبلا فراسة حقيقية يستبدل القائد رجال الدولة الحقيقيين برجال المصالح والانتهازية ليدخل مشروعه في نفق الترهُّل والتآكل الذاتي..

امتلاك الفراسة في بيئة الحُكم ليس ترفاً فكرياً ولا مهارة تكميلية يمكن الاستغناء عنها، بل هو ضرورة أمنية قصوى وقاعدة استراتيجية لا غِنى عنها لتأمين طريق الدولة وحماية توجهاتها؛ فالقائد الذي يمتلك عين البصيرة يستطيع قراءة النوايا خلف الكلمات المقنعة والوعود البراقة، ويميّز بدقة متناهية بين النقد الصادق الغيور الذي يبني ويصحح المسار، وبين الثناء الزائف المسموم الذي يهدم الكيان ويهيئ أسباب السقوط.. وبواسطة هذه الفراسة يؤمّن الإنسان خطوته ويحصّن مشروعه من الاختراق الداخلي والخلل الإداري، ويضمن أن مَنْ يقف معه في الخطوط الأمامية لإدارة الأزمات وصناعة التحولات هم رجال ثبات ومبدأ لا يساومون على الثوابت ولا يتراجعون عند اشتداد الصعاب، بل يشكلون صمام أمان حقيقي للرؤية والتوجه.. وحماية المشاريع الكبرى وصيانة المكتسبات السياسية تبدأ أولاً وأخيراً من غربلة المحيطين وتدقيق الاختيار، ومَنْ أراد لتوجهاته الاستقرار ولمشروعه الاستمرار والتمكين فعليه أن يجعل من الفراسة حارسه الأول وبوابته الصارمة؛ فالمناصب تزول وتُباد، والكراسي تتداولها الأيدي، ووحدها الحكمة وبُـعد النظر هما طوق النجاة وبوصلة الأمان في أمواج السياسة المتلاطمة.. فاحذروا الغفلة في اختيار الرجال، فإن ثمنها باهظ جداً ويُدفع من رصيد الوجود وبقاء الأثر واستقرار الأوطان.
أضف تعليقاً على هذا الخبر
ارسل هذا الخبر
تعليق
إرسل الخبر
إطبع الخبر
معجب بهذا الخبر
انشر في فيسبوك
انشر في تويتر
المزيد من "مقالات"

عناوين أخرى

الافتتاحية
الذكرى 63 لثورة 14 أكتوبر المجيدة عام 1963م
أ. د / عبدالعزيز صالح بن حبتور*

حوارات
جريمة الرئاسة
مقالات
تكامل الجهد الرسمي والمجتمعي ضرورة لا تقبل التأجيل
يحيى نوري

قوة الحقيقة تهزم الإعلام الخبيث
أحمد الزبيري

في الحرب.. تأمين المدنيين أولاً..!!
د. عبدالوهاب الروحاني

14 أكتوبر.. عيد كل اليمنيين
سلوى علي أحمد بالخير*

لا خيار أمام اليمنيين إلا التصالح فيما بينهم
أ‌. د. أحمد قايد الصايدي

14 أكتوبر.. من التحرر من الاستعمار إلى استعادة القرار
د. عبدالعزيز ﺍﻟﺒﻜﻴﺮ

ثورة 14 أكتوبر.. إرادة وطن وشعب لا يُهزم
عبد السلام الدباء*

مَنْ يذبح اليمنيين شريكٌ في جريمة الصمت!
د. يحيى أبو زكريا

شهادة إعلامي سوري : حركة التصحيح والتضامن العربي بين الحمدي وأمين أبو راس
بقلم: فيصل بن أمين أبو راس

تشهد أزمة حادة في المياه .. خمر تستنفد مياهها الجوفية
محمد الدلواني

اليمن في حرب ضروس.. لماذا يغيب الحكماء ؟
علي أحمد مثنى

جميع حقوق النشر محفوظة 2006-2026 لـ(الميثاق نت)