موقع المؤتمر نت



موقع مايو نيوز



موقع معهد الميثاق


صنعاء توسّع استهدافاتها في العمق السعودي - العميد سريع: العدو يستهدف يختاً هندياً - الخارجية: لا خطر على الملاحة في البحر الأحمر - 62 غارة عدوانية خلال 24 ساعة - مع دعوات حوار "يمني-يمني" ينهي حالة الحرب.. إلى أين يقود السياسيون اليمن..؟! - إسقاط طائرة سعودية جديدة - نائب رئيس المؤتمر يعزي في استشهاد الشيخ البارق - ارتفاع عدد ضحايا العدوان على ضوران آنس - نائب وزير الخارجية يوّجه رسائل إلى الدول الإسلامية - لبوزه يهنىء رئيس المؤتمر بالعيد ٦٣ لثورة ١٤ أكتوبر -
مقالات
الميثاق نت -

الإثنين, 20-أبريل-2026
أحمد الشاوش -
باب السباح.. كان وما يزال أحد الأحياء الجميلة والأسواق الشعبية القديمة والمعالم التاريخة للعاصمة صنعاء ببساطته وحركته وتوسُّطه ما بين صنعاء القديمة والجديدة..

مبانٍ شامخة تدلل على أن الحي سكنه مجموعة من التجار والشخصيات السياسية والاجتماعية والفقهاء والأدباء والشعراء، ورجال الصناعة في الماضي..
حيٌ نابضٌ بالحركة والنشاط والتجارة بمحلاته القديمة ودكاكينه العتيقة وروعة بساتينه وجمال مقاشمه وأناقة مبانيه الشامخة مثل بيت "الكتف" وبيت الحلالي وبيت المصلي وآخرين..

تلك التراتبية وذلك النظام الدقيق والمتواضع عكس جمالها الآسِر ومنحها جاذبية خاصة وروعة عجيبة في نظر ساكنيه وزواره وعشاقه من البسطاء وأصحاب الذوق الرفيع والاحتياجات الذين يجدون ضالتهم وهوسهم في الأكلات الشعبية الصنعانية والأسعار المعقولة من الحلويات والمشروبات واحتياجاتهم من الخضروات والفواكه الطازجة والملبوسات والكماليات البسيطة..

كنا نشاهد ونحن أطفال في باب النهرين المنظر البديع والسيل الجرار المتدفق من كل مكان وهو يمر عبر "سائلة باب النهرين" بجماله وعنفوانه وعنفه واجتياحه لكل ما أمامه من الركام والمخلفات وبعض ممتلكات الباعة ونحن في ذهول عجيب..

كان على ضفة السائلة يفترش بعض الباعة عارضين بضاعتهم مثل الدجاج والشقران البلدي في سِلال القش والتي كانت تأتي من مدينة باجل والبعض من ضواحي صنعاء؛ والبعض الآخر يبيعون الفخار والجِرار وحياسي القهوة وبُرم اللحم المصنوعة من الطين وقد غرقت في مياه السيل الجاري وبعض أبناء زبيد أو آخرين مما يُسمى بـ "الأخدام" يغطسون في ماء السيل للحاق بالجِرار والفخار والحصول عليها مجاناً في مناظر عجيبة وخطيرة وغير مألوفة..

وفي الجهة المقابلة يرى المتجول جامع النهرين الذي كان له روحانية خاصة وعلماء أشبه بملائكة السماء قبل أن تتحول المساجد إلى منابر سياسية وسَب وشتم وتخوين وكراهية وتسميم للصف اليمني والإسلامي الواحد..

كنتُ وبعض زملائي نتجول أو نقطع الطريق من حارة الطبري المتفرعة من باب السباح إلى مقشامة النهرين يومياً في العطلة الصيفية لنلتقط بعض حبات التوت البلدي والبلس العربي ونشتم الهواء العليل وروائح الرياحين والشذاب والكبزرة ونمتّع ناظرينا ببقية الخضروات..

كان الناس أكثر محبةً وشوقاً لسماع صوت المقرئ الشيخ محمد حسين عامر والشيخ القريطي -رحمة الله عليهما- ومن ثَم الاستماع إلى برنامج "فتاوى" وسماع بعض الأخبار ثم الاستماع بأريحية وزقعة وحاسة فنية فريدة لأغاني السنيدار والآنسي والحارثي والسمة.. وأم كلثوم وعبدالحليم حافظ وفهد بلان وفيروز وآخرين، وقلوبهم مثل الوردة..

كان اليمني هادئاً بطباعه ويبحث عن العِلم وميَّالاً للمدنية؛ والموظف مستور والتاجر "أمين" والعُمال في المصانع والمباني، والدولة لديها هدف، والحكومة تقدم خدمات للشعب، والتعليم مجاني، والطلبة بالمدارس والمعاهد والجامعات، والظروف المعيشية "عال العال"، وتحويلات المغتربين كبيرة، واللصوص "قليل"، والعملاء أقل، والتنمية ماشية، والأمن مستقر..

اشتُـهر بيت "الشعباني" بصناعة الرواني والبقلوة والشعوبيات والقطايف ومربى الجزر والدُّبا وشراب الشعير والزبيب والقديد "المشمش"..

كما اشتُـهر "أحمد الإبي" بصناعة الحلويات الصنعانية أيضاً بعد أن أخذها من الأتراك في مدينة الحديدة.. ووصلت الشهرة إلى علي الأحدب" قحزة" وأحمد حدة وغيرهم ممَّنْ تفنَّـنوا في الحلوى الصنعانية في باب السباح..

والطريف أنه كلما عطش شخص أو فكر في تناول وجبة صبوح أو غداء أو حلوى أو كأس من شراب الزبيب والشعير "هرول" إلى أحد هذه الدكاكين أو الباعة لإرواء عطشه وسد جوعه وإطفاء حرارة جسمه..

حتى دكان "حسين حويس" ما زال عنواناً لبيع الكباب والكبدة البلدي والسلطة اللذيذة والرائحة الزكية والنظافة العجيبة التي هي سر إعجاب وتردُّد الزبائن عليه من كل مكان..

وبجواره كباب "العماد" وأسياخ كباب أحمد أحسن.. وكباب أحمد قطيرة الذين شكلوا مَعلَماً من معالم باب السباح..

تتواصل الذكريات الجميلة في زمن راحة البال بمحلات السعادة بجوار بيت العقر وبيت إسحاق وغيرها من محلات المواد الغذائية البسيطة والمتنوعة لتلبية طلبات المستهلك؛ وفي الجهة المقابلة محل الدعيس لإصلاح الزجاج والبراويز؛ ومحل لطيف الرموش للملابس النسائية، وحفظ الله الحرازي؛ وعلى السائلة محلات بيت الصباحي..

وما أن يلتفت الماشي إلى وسط باب السباح حتى يرى دكاكين صغيرة جداً وبَسَطات وفرشات سوق الخضرة لبيت "غَدّر" و"مصطفى" وغيرهما لبيع الخضروات الطازجة من باميا وطماط وبطاط وبصل بلدي وبراصة وفاصوليا خضراء وكوسة وباذنجان صحية وبدون استخدام الأسمدة المحرَّمة دولياً..

وقبل أن تدخل إلى سوق اللحوم ترى بائعي الخضروات وبائعات اللحوح والرياحين والشذاب وتستمع إلى أصوات المحرّجين للأكوات الخارجية الملبوسة، وتستمع بأعجوبة إلى صوت علي حميد الحرازي -رحمة الله عليه- وهو يرتدي ستارة نسائية ويعمل على تسويقها بطريقة كوميدية ولطيفة تُضحِك الطير..

كما يستمع المارة من الرجال والنساء والأطفال إلى صوت"البيطر" بن الحمامي ووالده الذي يسوق بضاعته بطريقة عجيبة وغريبة أعظم من متخصصي الإعلام في التأثير وصيد الزبون..

حتى مهنة بيع اللحوم لها روادها وأصحابها وحكماؤها وسَحَرتها وظرفاؤها، فما أن يعقد الشخص العزم على شراء رطل لحم في حينه أو كيلو لحم فيما بعد حتى يدخل المجزرة لشراء غايته، فإنْ كان يريد "لحم غنمي" ذهب إلى الحاج علي الجمالي "علي فطيرة" كونه مشهوداً له بالأمانة وعدم الغش؛ وإنْ كان يريد "بقري" أو "عجل" ذهب إلى بيت كابع أو الفوري أو علي حالي أو أحمد عمنا وغيرهم من المشهورين، فَيَشرَك أي يشتري وهو آمن ويكون للحم البلدي شم وطعم ونضاج في أسرع وقت.. وإنْ كان الشاركي "المشتري" غير معروف ممكن يكون له مقلب ويكون فريسة لأحد الغشاشين رغم الرقابة..

ومن طرائف الجزارين أن أحد خِريجي الكلية تمت ترقيته وذهب إلى الجزار مستعرضاً وقال للجزار إدي لي اثنين كيلو بقري.. فرد عليه الجزار وهو بيشوفه من طالع إلى نازل.. حاضر.. ما شاء الله.. ما اليوم على صنجة عشرة.. أي حين طلَّعوا لكم النجمة يافندم.. فرد عليه بَـطّل شيطنة.. اقطع من هذا ومن هذا، والجزار يسايره وعينه على النجمة "الدبور"..

فقال له الجزار أتعبتني يافندم هذا وعادي نجمة واحدة.. كيف لو رقَّوك إلى عقيد كنت عتشل الثور.. فضحك الزبائن واختمع الفندم..

حتى القهاوي والبوافي كانت غير بما تملكه من ذوق ونكهة ولِـذة وطعم.. ما أن يفكر شخص في شرب قلص شاي أحمر أو بن مع الحليب أو بن صافي أو شاي مفور أو سندويتش جبن كرافت مع الجام والزبدة، فإن حي باب السباح كان به مجموعة من الأسماء الشهيرة وأصحاب هذه المهن والخبرات القديمة المتفننة في صناعة القهوة ومعرفة أسرارها ومقاديرها وذوق رُوادها..

كان باب السباح حياً جميلاً وسوقاً شعبية لها جاذبية خاصة في نظر مرتاديها وعامرة بوجود طبقة من التجار منهم حسين النهمي ويحيى التام ومهدي عنبه والحيمي ويحيى بكير وآخرون، يبيعون أجود أنواع الفواكه الخارجية والمحلية، من بينها البرتقال اللبناني أبو سرة والتفاح والعمبرود "الكمثرة" والموز والعنب البياض والرازقي والعاصمي والأسود والزيتوني والسفرجل والفرسك البلدي وغيرها من الفواكه الطازجة واللذيذة التي كانت في متناول يد الغني والفقير والموظف والعامل أيام الخير، لأسعارها المعقولة وتوافر فرص العمل وتحويلات المغتربين وثبات الأسعار وقوة الريال اليمني والرقابة واتزان التجار والمسؤولين وضغط المواطن..

وكان دكان رجل الأعمال "حيدر فاهم" في بداياته الأولى تحت قسم شرطة جمال جميل يبيع السمن والصابون والقاز واحتياجات المواطنين باعتباره مَعلَماً مشهوراً وقريباً من أحياء باب السباح الذي يتفرع عنه أكثر من شارع وحي..

وكان هناك صيدلية الغريب لذلك الجندي المصري "صلاح"، الذي أحب اليمنيين وأحبوه وأصبح واحداً منهم وتزوج وخلَّف وصار الغريب وصيدليته أشهر من نار على عَلم إلى اليوم بأخلاقه ووفائه وبساطته وخدماته للناس..

كان بعض أبناء صنعاء والوافدين الذين تَطبَّعوا بالحياة الصنعانية تقول له إلى أين.. يقول لك إلى مطعم "الشوكاني"، لأكل قطعة لحم غنمي وشرب مطيبة مرق وبعدها قيالة و"عودي قات" خصوصاً الأدباء والمثقفين..

وإذا ما تاقت نفس شخص آخر إلى أكل "مقلى سلتة" ولحم بقري ذهب إلى مطعم "المذبحي"تحت قسم شرطة جمال جميل"..
واخترق صفوف قمارى بائعات الملوج والشعير والخبز الأكثر مهارةً في فن التسويق والتشويق والإثارة واللطافة والنكتة من أجل بيع خبزها أو شراء بعض الكدم المخلوط من خمسة أصناف من الحبوب الغذائية قبل أن تتحول الكدمة إلى دقيق مُضِر بالصحة..

كما لا يفوتنا ذلك المنظر الجميل والرائحة الزكية والطعم اللذيذ لـ"الزلابيا" الذي اشتُهر بعمله وصناعته كل من "حسين جباري" و"الشبامي" والعامل شوعي، بحرفية عجيبة وطعم فريد ونكهة نفتقر إليها اليوم كونها مقلية بزيت السمسم البلدي بعيداً عن الغش..

وبجوار تلك الخبرات دكان "مَسَعَد" لبيع "البرعي" اللذيذ الذي كنا نغمس "اللجِع" أو قطعة الخبز ويطغى لون البرعي وكثرة العتر؛ بينما أصبح برعي اليوم كالماء واللون نتيجة للغش وعدم احترام السمعة، وغلاء الأسعار..

أخيراً.. لقد اشتُهرت صنعاء بجمال وروعة مبانيها العظيمة وطابعها المعماري التراثي الخاص وبساتينها الخَضِرة والوارفة الظلال وأحيائها الساحرة وأسواقها الفريدة وأكلاتها الشعبية اللذيذة والصحية عبر التاريخ.. والمهنة والخبرة والثقة والسمعة الطيبة والأخلاق واللطافة والاحترام للناس وعدم الغش..

كان كل ذلك الجمال عنواناً لمرحلة مضت؛ وما زال الناس يناضلون من أجل الحفاظ على صنعاء وأحيائها وأسواقها وتراثها وطابعها؛ لكن للأسف الشديد، لا الحكومة أصبحت الحكومة.. ولا المسؤولين أصبحوا المسؤولين، ولا أبناءها أصبحوا أبناءها.. الكل يتفرج على دمار "جوهرة اليمن"..

لسان حال الشارع.. لا الحكومة مهتمة بذلك الجمال الأثري، ولا هيئة المدن التاريخية مهتمة بتلك المناظر الساحرة، ولا أمانة العاصمة والبلدية وإدارة الأسواق عملت على الحفاظ على هذه المدينة العتيقة؛ وأكبر دليل على ذلك ما تتعرض له صنعاء من بناء عشوائي، وأسواقها وشوارعها من تشويه، وتأجير بَسَطات وكتل حديد؛ وما تتعرض له بساتينها من جفاف مبروج، وشوارعها وأرصفتها من فوضى مقابل جباية "المال".. ومَنْ تمدَّد له تمدَّد.. ومَنْ بسط له بسط ولو باب كل بيت ورصيف وشارع وسوق..
نأمل الشعور بالمسئولية الوطنية والأخلاقية والدينية والإنسانية.
أضف تعليقاً على هذا الخبر
ارسل هذا الخبر
تعليق
إرسل الخبر
إطبع الخبر
معجب بهذا الخبر
انشر في فيسبوك
انشر في تويتر
المزيد من "مقالات"

عناوين أخرى

الافتتاحية
الذكرى 63 لثورة 14 أكتوبر المجيدة عام 1963م
أ. د / عبدالعزيز صالح بن حبتور*

حوارات
جريمة الرئاسة
مقالات
تكامل الجهد الرسمي والمجتمعي ضرورة لا تقبل التأجيل
يحيى نوري

قوة الحقيقة تهزم الإعلام الخبيث
أحمد الزبيري

في الحرب.. تأمين المدنيين أولاً..!!
د. عبدالوهاب الروحاني

14 أكتوبر.. عيد كل اليمنيين
سلوى علي أحمد بالخير*

لا خيار أمام اليمنيين إلا التصالح فيما بينهم
أ‌. د. أحمد قايد الصايدي

14 أكتوبر.. من التحرر من الاستعمار إلى استعادة القرار
د. عبدالعزيز ﺍﻟﺒﻜﻴﺮ

ثورة 14 أكتوبر.. إرادة وطن وشعب لا يُهزم
عبد السلام الدباء*

مَنْ يذبح اليمنيين شريكٌ في جريمة الصمت!
د. يحيى أبو زكريا

شهادة إعلامي سوري : حركة التصحيح والتضامن العربي بين الحمدي وأمين أبو راس
بقلم: فيصل بن أمين أبو راس

تشهد أزمة حادة في المياه .. خمر تستنفد مياهها الجوفية
محمد الدلواني

اليمن في حرب ضروس.. لماذا يغيب الحكماء ؟
علي أحمد مثنى

جميع حقوق النشر محفوظة 2006-2026 لـ(الميثاق نت)