سعيد محمد الحريري * - المشهد الذي يظهر فيه صف من الجنود بزيّهم العسكري يقفون بانضباط أمام قائد بلباس مدني تقليدي، قد يبدو للبعض تفصيلاً عابراً في استعراض عسكري؛ لكن عند التمعُّن في دلالاته، يتضح أن القضية أعمق بكثير من مجرد صورة أو مناسبة إعلامية.. إنها تعكس تحوُّلاً خطيراً في فلسفة بناء المؤسسة العسكرية في اليمن..
الجيش في أي دولة ليس مجرد قوة مسلحة، بل هو مؤسسة وطنية جامعة، تُبنى على أساس الاحتراف العسكري، والانضباط المهني، والولاء للدولة وحدها.. الجيوش الوطنية تُنشأ في الكليات والمعاهد العسكرية، وتتشكل عقيدتها القتالية حول حماية الوطن والدستور، لا حول الولاءات الضيّقة أو الأيديولوجيات الدينية أو السياسية..
غير أن ما نشهده اليوم في اليمن يوحي بأن هناك مساراً مختلفاً يتشكل على الأرض.. فبدلاً من إعادة بناء الجيش اليمني كمؤسسة وطنية موحَّدة بعد سنوات الحرب، يجري إنشاء تشكيلات عسكرية جديدة خارج الإطار التقليدي للمؤسسة العسكرية، وبعقائد مختلفة ومرجعيات متعدّدة.. هذه التشكيلات، مهما قِيلَ عن دورها أو أهدافها، تثير تساؤلات مشروعة حول مستقبل الجيش اليمني ووحدته..
إن أخطر ما يمكن أن تواجهه أي دولة هو تحويل الجيش من مؤسسة وطنية إلى تشكيلات ذات عقائد خاصة أو ارتباطات خارجية؛ فالتاريخ مليئ بالأمثلة التي انتهت فيها مثل هذه التجارب إلى إضعاف الدولة نفسها، لأن الجيوش العقائدية غالباً ما يكون ولاؤها للفكرة أو للمُموّل أكثر من ولائها للوطن..
اليمن اليوم في أمَسّ الحاجة إلى عكس هذا المسار تماماً.. فالمَخرَج الحقيقي من حالة الانقسام والفوضى لا يكمن في تكاثر التشكيلات العسكرية، بل في إعادة بناء جيش وطني واحد، بعقيدة وطنية واحدة، وقيادة موحَّدة، يخضع لسلطة الدولة والقانون وحدهما..
إن استمرار الاتجاه نحو تشكيل قوات بعقائد مختلفة ومرجعيات متعدّدة لا يعني سوى تعميق الانقسام وإضعاف الدولة؛ وفي النهاية، لن يكون الخاسر طرفاً سياسياً بعينه، بل اليمن كله..
السؤال الذي يفرض نفسه اليوم:
هل نحن أمام خطوات لإعادة بناء الجيش اليمني، أم أمام عملية استبدال تدريجية له بكيانات عسكرية جديدة بعقائد وولاءات مختلفة؟!..
الإجابة عن هذا السؤال ستحدّد شكل الدولة اليمنية في السنوات القادمة.
* لواء ركن في الجيش اليمني
|