عصام العلفي - في الجغرافيا السياسية للجنوب يبرز المثلث (الضالع، يافع، ردفان) كقلب نابض لكل التحوّلات؛ لكن المفارَقة التاريخية الصادمة تكمن في المسافة الشاسعة بين ما قدمه أبطال هذا المثلث في الستينيات، وبين ما يرفعه ثوار اليوم في الساحات ذاتها..
أبطال الأمس الكاسرون للحدود حين قامت ثورة 26 سبتمبر في الشمال لم ينظر راجح لبوزة ورفاقه من أبناء الضالع ويافع وردفان إلى نقاط التفتيش أو الهوية الشطرية وانطلقوا بمئات المقاتلين والتي سُمّيت لاحقاً بالمجموعة العائدة من الشمال، ليخوضوا أشرس المعارك في جبال حجة والمحويت وصرواح.. لم تكن دماء الشهيد علي بن علي مسعد أو نصر المقرعي التي روت تراب الشمال تبحث عن انفصال، بل كانت تدرك بحِسّ فطري أن حرية عدن تبدأ من كسر أغلال صنعاء، وأن كرامة الإنسان اليمني لا تتجزأ ..
كان المثلث آنذاك هو الجسر الذي عبَرت عليه الجمهورية، والمصنع الذي صهر الهوية اليمنية في خندق واحد قبل أن تلوّثها حسابات النخب..
ونستغرب من ثوار اليوم من ذات المناطق (المثلث) بأنها المحرّك الأساسي للمظاهرات المطالِبة بالانفصال..
هل نسي الأحفاد وصية الرصاصة؟..
هل يتذكرون الرد الأسطوري للشهيد قاسم لبوزة عندما طلب منه المندوب السامي البريطاني - بعد عودتهم من القتال في الشمال - أن يسلّموا أسلحتهم، فأرسل الثائر لبوزة إليه رصاصة في ظرف؛ وكان الرد كرسالة مفادها إشهار التمرُّد ضد الاحتلال.. وقامت بريطانيا بإرسال حملة عسكرية إلى ردفان انتهت باستشهاده لتكون الشرارة الأولى لثورة 14 أكتوبر، وهو نفس اليوم الذي استُشهد فيه ليكون علامة بارزة في التاريخ اليمني، فقد كانت دماؤه الطاهرة سبباً في دحر الاحتلال من الجنوب..
إن التناقض الذي نعيشه اليوم ليس في حق الناس في تقرير مصيرهم، بل في نسيان حقيقة تاريخية أثبتها الأجداد بالدم أن هذا المثلث كان دوماً بوصلة اليمن، لا خنجراً في خاصرته..
حين يطالب ثوار اليوم بالانفصال، هم في الحقيقة لا ينفصلون عن الشمال فحسب بل ينفصلون عن إرث أجدادهم الذين رأوا في اليمن الكبير فضاءً لكرامتهم.. إن العودة إلى روح المجموعة العائدة من الشمال لا تعني القبول بالظلم أو الوحدة المشوَّهة، بل تعني استعادة الوعي بأن العدو كان دوماً الاستبداد وليس الأخ، وأن الحل يكمن في بناء الدولة التي استُشهد من أجلها لبوزة، لا في هدم الجسور التي بناها بدمائه..
فهل سيكون الأشبال من تلك الأسود.. أم سيكونون شيئاً آخر ..؟ |