بقلم : عبدالله البردوني - كان زعماء العشرينيات والثلاثينيات من ملوك الأفكار، كما كان كبار العسكريين يتوسعون في الثقافة الأدبية والفكرية والتاريخية.
كان سعد زغلول مرجع معاصريه من المثقفين من أمثال المنفلوطي والرافعي وكان يَسرُّهم أن يتيمنوا بكلمة يكتبها على سطور مؤلفاتهم، وكان فارس الخوري مرجع المثقفين في سوريا، وكان رأيه النقدي حجة ساطعة بين سادة الكلمة.
كذلك العسكريون، فقد كان أهم القادة من الكتاب المؤلفين من أمثال ياسين الهاشمي وصالح مهدي عمَّاش في العراق، ومن أمثال عبد الله التَّل في الأردن، ومن أمثال محمد شيت خطاب في مصر.
أما من الخمسينيات إلى الآن فقد احتكر التخصص أغلب المتخصصين، فقلت ثقافة الساسة والعسكريين، ولم يعُد يتمتع بالعطاء الثقافي تلَقِّياً وإبداعاً إلّا النادر، من أمثال أحمد حمروش في مصر، ومصطفى طلَّاس في سوريا، وعلي أبو نوّار في الأردن.
وهذه الندرة في المثقفين العسكريين تدل على سعة العلوم العسكرية واحتياجها إلى الانقطاع، ومع هذا ما خلا جيش من المثقفين، وإن كانوا دون المثقفين السابقين، في كل الوطن العربي وفي العالم.
وقد تميز الرعيل الأول من العسكريين في اليمن بالميل إلى الثقافة والاستكثار منها، من أمثال أحمد حسين المروني الذي لقبه الإمام يحيى بشاعر الجيش، ومن أمثال الكاتب أحمد المطاع رئيس تحرير مجلة الحكمة بعد الوريث.
وكان حمود عائض الجائفي شديد الميل إلى القراءة وبالأخص قراءة التواريخ، فكان متميزاً سلوكا وأفكاراً.
* * *
نشأ حمود الجانفي تحت سقف العشرينيات، وكانت الثقافة في اليمن يومذاك مقصورة على التواريخ القديمة، وعلى المجموعات الشعرية، من أمثال دواوين الحماسة والمستطرف.
وتدل مذاكرة حمود الجائفي على أنه تعمق في قراءة كتاب المستطرف وديوان الحماسة لأبي تمام وللشِّجرِي، لأنه كان كثير الاستشهاد بالشعر المدون في هذه الكتب، وهذه الثقافة تتلاءم مع أساسه التعليمي، إذ كان القرآن وكتب الدين كل المنهج التعليمي.
وقد تعلم حمود الجائفي في دار الأيتام التي كانت تحظى برعاية خاصة وبتلاميذ متفوقين، ثم انتقل إلى المتوسطة وكانت تتميز بالأساتذة المتحمسين للأدب والسياسة، فرشحه تعليمه وميله الثقافي لعضوية أول بعثة عسكرية إلى العراق عام 1933م.
لاقت البعثة العسكرية اليمنية في العراق مناخاً مختلفاً عن صنعاء، إذ رأت هناك المكتبات المليئة بالكتب والعسكريين الذين يكتبون في التاريخ ويرددون الشعر ويقولونه، وكانت البعثة اليمنية الأولى من أنبه الرجال فأثر فيهم التعليم الجديد وفتح مداركهم على العالم وما استجدت فيه من أحداث وثقافات.
وفي عام ١٩٣٦م أُرسلت بعثة عسكرية ثانية إلى العراق وظلت تواصل دراستها وثقافتها إلى عام ١٩٤٠م. فكان لهاتين الدفعتين أكبر الأثر في الحياة العسكرية والمفهوم الوطني، وكان حمود الجائفي لا يبدو مثقفاً لأنه كان قليل الكلام والكتابة، فلا يتبدَّى مثقفاً إلّا من خلال النقاش ومن خلال المطارحة الأدبية، على حين أبدى بعض زملائه ما ينطوي عليه من الثقافة والتعليم، كأحمد الحورش الذي كان يكتب في مجلة الحكمة، وزيد عنان الذي ألف كُتباً في التاريخ.
غير أن الجائفي تميز بحسن الأسلوب الإداري والفهم القيادي، فكان عسكرياً في تسيير الإدارة وفي انضباط الجيش، وكان مرجعاً للأساتذة العسكريين في كل مهمة، حتى سماه جمال جميل البحر الصامت.
* * *
شكّل أولئك العسكريون حركة وطنية دينية، وكانت الأربعينيات من الفترات الخليط في الثقافة والسياسة.. كان مؤلفو تلك الفترة، يكتبون عن الأدب الماضي ورجاله كابن الرومي، والمتنبي، وأبي نُواس، وقلَّما كتبوا عن العصر وأدابه.
وفي الأربعينيات مالوا إلى الكتابة عن رسول الله، كتب محمد حسنين هيكل (حياة محمد) بعد أن كتب جان جاك روسو وفلسفته السياسية، وكتب العقاد (عبقرية محمد) بعد أن كتب (حياة ابن الرومي من شعره ) وألّف طه حسین (على هامش السيرة ) بعد أن كتب (قادة الفكر اليوناني).
فلا غرابة أن يكون الأحرار اليمنيون في الأربعينيات متأثرين بالكتابات الدينية، متعصبين للدين، لأنه كان حجتهم على الإمام يحيى، إذ ادّعوا أنه أهمل الحدود وأن أبناءه تجاوزوا الحدود، فشكل العسكريون أملاً للأحرار الذين أرادوا حياة سياسية دستورية، وإقامة حكومة متعددة السلطات، وكان جمال جميل العراقي واسع التأثير على أمثال الجائفي من العسكريين.
وعندما قامت حركة ١٩٤٨م لم يتضح للعسكريين اليمنيين أثر في العمل الانقلابي، فقد نفّذ قتل الإمام يحيى خمسة من الشيوخ ،وتبدى دور العسكريين في ضبط الأمن بالعاصمة، فقسّموا حارات صنعاء إلى مناطق قيادات: قيادة بير العزب ،قيادة دار الشكر، قيادة الميدان وقصر غمدان.
وشكلت هذه القيادات قيادات صغيرة على أبواب العاصمة، وكان حمود الجائفي قائد باب خزيمة فتكفل بحماية صنعاء من ذلك الباب وحول السور من باب البلقة إلى باب اليمن، وكان منقطعاً لعمله ليل نهار، وبرهن على كفاءته، إذ لم ينسل من منطقته أي هجوم عند سقوط الدستور.
وكانت منطقة القصر أول منطقة اختلت من داخلها، إذ أطلق مدفعيو جربة المدافع قذائفهم على مقر إمام شباط، وأطلقوا القذائف المشتعلة في الهواء إيذاناً بانتصار الإمام أحمد على الدستوريين، وفي تلك اللحظات الحرجة ردد على الوزير:
" لوصدقنا الجائفي" "ما لهم لا يصدقون الجائفي..؟!" فماذا كان
رأي الجانفي؟
كان من رأيه أن تتشكل قيادة واحدة لحماية صنعاء من ضواحيها لا من داخلها، قال الجائفي: "لا يمكن أن يخون معسكر القصر إذا كان في نقم مدافع في أيدي مخلصين"، ولعل الجائفي أبدى رأيه بدون تعصب له كعادته في إبداء الرأي.
بعد سقوط الدستور استضاف سجن نافع بحجة حمود الجائفي مع الآلاف من أبناء صنعاء ورجال الانقلاب وكل المعممين والمطربشين.
فقد كانت جماهير صنعاء تهتف: "لا يبقى مطربش.. ولا يبقي معمم قد قال حزيز والإمام تكلم " وكانت الحملة على المعممين والمطربشين من قبل الجماهير لأنهم الوجوه التي تألقت تحت ضوء الانقلاب الدستوري.
* * *
لبث حمود الجائفي في سجن نافع نحو ثمان سنوات من ١٩٤٨م على حين أُفرج عن الكثير من زملائه بالمطالبة الشخصية، وبكثرة الشفعات.. أما الجائفي، فظل إلى عام ١٩٥٥م ثم أفرجت عنه حركة الثلائي وعبدالله ضد الإمام أحمد، إذا تحول سجناء حجة إلى أنصار للبدر، الذي أراد أن يفك الحصار عن أبيه بتعز، ثم أسقط أحمد الانقلاب بعد خمسة أيام بدون نجدة من البدر، إلّا أن تجمُّع سجناء حجة حول البدر أرهب انقلابيي مارس في تعز، لأن حول البدر وجوهاً عسكرية مرموقة من أمثال عبدالله السلال ،عبد القادر أبوطالب وحمود الجائفي.. الذي كان معروفاً بالتدبير القيادي والتخطيط العسكري.
بعد الإفراج عن الجائفي تولى إدارة الكلية الحربية عام ١٩٥٨م وحوّلها إلى كلية حديثة نتيجة استيراد الأسلحة من الاتحاد السوفيتي، وكان في إدارته قويّ الحزم دائم الانتباه، فأحدث في الطلاب روحاً جديدة حتى كأنهم خُلقوا من جديد، إذ تحولوا مفهوماً ونفسياً.
وفي عام ١٩٦١م قام اللقية والعلفي والهندوانة بمحاولة اغتيال الإمام أحمد بمستشفى الحديدة، فتسبب إخفاقهم في القبض على العسكريين، وكان أول عسكري يُزج به في السجن هو الزعيم الجائفي، وبعد التأكد من براءته تخفف عنه السجن وسمح له بزيارة بيته نهار كل جمعة.
على أن يقضي المبيت في سجن القلعة، فرأى الضباط وبعض المشائخ تهريب الجائفي إلى عدن، فنفّذ المهمة صالح الرحبي ومحمد عبد الله أبولحوم.
وفي عدن لم يجد الجائفي استقراراً تحت حكم الإنجليز، فبعث إليه البدر من يُؤمنه، فادّعى الجائفي أنه يعاني مرضاً خطيراً، فأمر البدر باستشفائه في روما فاشتم الجائفي صدق البدر أو تأكد من عدم مكيده، فعاد من روما إلى صنعاء في مطلع عام ١٩٦٢ و أناط به البدر مهمة الأمن يوم دفن الإمام أحمد في ١٨ سبتمبر ١٩٦٢م، فقام الجائفي بمهمته على أكمل الوجوه، وفنّد آراء الذين أرادوا القيام بالثورة يوم دفن الإمام أحمد مهما كانت الفرصة مواتية، قال الجائفي : (سيتهمنا الشعب بعدم الأخلاق لأننا لم نحترم هذا النعش المُهيب، وكم ستسقط ضحايا إلى جانب البدر والأمراء حول النعش، إن الثورة سوف تتحول إلى فوضى)، وأقنع الذين أرادوا القيام بالثورة يومذاك.
وكان الجائفي في تلك الأيام مسئولاً على ميناء الحديدة، وإنما حضر للمشاركة في دفن الإمام فأضيفت له مهمة الأمن في صنعاء ثم عاد إلى الحديدة.. وفي ليلة ٢٥ سبتمبر وفد إليه بعض الضباط من صنعاء طالبين منه قيادة الثورة فرفض أشد رفض وبذل كل ما في وسعه لخدمة من سوف يقوم بقيادة الثورة، وقال: اعتبروني جندياً لكل مهمة، أما القيادة فلست من أهلها.
وفي أيام حروب الثورة، قاد الجائفي أشد المعارك المنتصرة وكانت تخطيطاته تدهش العسكريين المصريين، وبالأخص عندما سحقت قوات اليمن جيش ثلاث دول في معركة حرض سنة ١٩٦٣م.
بعدها في عام ١٩٦٤م شكل حمود الجائفي الحكومة ورأى نفسه على رأس وضع مُفلس، محتاج إلى الانفاق فاستقال بعد شهور، ثم مال إلى العكوف في بيته على كتب التواريخ إلى أن تعين سفيراً بالقاهرة عام ١٩٦٥م، وتنقل من سفارة إلى سفارة، وكانت آخر سفاراته في المملكة العربية السعودية عام ١٩٨٠م، وبعد نهاية مدته سافر إلى أولاده بالقاهرة لكي يقضي معهم بقية العمر كما قال، فقد أحس أن أمراضه تتفاقم وأن الطب بيدي عمره في شفائه.
وكان يقول : (الموت طبيب الأطباء).. وفي الشهر السابع من عام ١٩٨٥م ودّع حمود الجائفي عالم الأحياء إلى رحاب الله.
ــــــ
من كتاب ( ثوار في رحاب الله) للبردوني صدر حديثاً عن دار الهيئة العامة للكتاب.
|