السفير/ أحمد لقمان - لم تكن المعضلة الكبرى في كثير من دول العالم النامي هو سقوط الأنظمة السياسية بحد ذاتها، بل سقوطها في فراغ مؤسسي كامل حيث لم يكن هناك حامل للدولة قادر على استلام المؤسسات الأساسية وضمان استمرار وظائفها؛ ففي دول تعاني من ضعفٍ في البنية المؤسسية كان النظام هو العمود الفقري للدولة، لا مجرد واجهة سياسية قابل للتغيير..
في التجارب الراسخة هناك فاصل بين الدولة كنظام مؤسسات دائم، والنظام السياسي كآلية حُكم قابلة للتداول والتغيير، أما في كثير من الدول النامية فقد تماهى الإثنان حتى أصبح إسقاط النظام يعني عملياً تفكيك جهاز الدولة نفسه، ومع لحظة السقوط لن يتبقى هناك كيان قادر على إدارة الأمن، أو تحصيل الموارد أو فرض القانون أو حتى تعريف مَنْ يتحمل المسئولية..
فراغ السلطة أم فراغ المسئولية؟
نلاحظ في كثير من التجارب التي نعيشها أن ما تلى السقوط لم يكن انتقالاً منظماً، بل فراغاً في المسئولية، فقد تعددت القوى السياسية، وارتفعت شعارات المشارَكة دون وجود بنية تضبط هذه المشارَكة أو تحدد واجباتها، فتحولت السلطة من تكليف إلى غنيمة، وتحولت الدولة إلى ساحة تَنافُس دون وجود إطار جامع، فكل طرف يطالب بحصته بغض النظر عن حجم تأثيره أو تواجده في المجتمع، بينما يتهرب الجميع من تبعات الفشل أو تحمُّل المسئولية، فتضيع الحقوق ويتراجع الأداء ويصبح المجتمع بأكمله هو الخاسر الأكبر..
التحوُّل من الدولة إلى الجماعة
مع غياب الحامل الوطني انتقلت الولاءات من الدولة إلى الهويات الفرعية _ حزب، طائفة، قبيلة أو منطقة أو جهة جغرافية _ وبذلك تراجعت المصلحة العامة وحل محلها حسابات ضيّقة تُـعلي المكاسب الآنيّة على الاستقرار طويل الأمد.. وفي هذا السياق لا تعود الدولة مرجعية، بل عبئاً يسعى الجميع لاستنزافه بعد السقوط..
لذا وجد المواطن نفسه أمام معادلة قاسية، حيث فقد قبضة الدولة القديمة؛ وفي نفس الوقت لم يكسب دولة جديدة ترعاه وتحميه، ناهيك عن بروز ونشوء قوى عسكرية تابعة لفصائل سياسية ترفع منسوب الصراع وقد تدفع لحروب أهلية؛ فلا أمن مستقر، ولا خدمات منتظمة، ولا عدالة نافذة، ولا أفق اقتصادي، وهكذا تحولت الحرية غير المؤطَّرة إلى فوضى، والمشارَكة غير المنظمة إلى شلل، والتعددية غير المسئولة إلى صراعات داخلية، واستخدام السلاح لتحقيق مكاسب سياسية..
ما هي الدروس المستفادة ؟
كشفت هذه التجارب أن المشكلة ليست في المطالَبة بالتغيير، بل في غياب التصوُّر لما بعد التغيير، فالدولة لا تُبنى بالنيات مهما كانت حسنة، ولا تُدار بالشعارات مهما كانت مُلِحة، ولا تستقيم بتوزيع السلطة دون توزيع المسئولية..
وللتعامل مع هذه الإشكالية، في اعتقادي من المناسب القيام بالآتي :
- اي إصلاح سياسي يجب أن يواكبه تعزيز للمؤسسات الأساسية: الإدارة، القضاء، الأمن، والمالية العامة..
- تحديد المسئوليات بوضوح، فالمشاركة السياسية لا تعني تمييع المسئولية، بل يجب أن يكون لكل سلطة صلاحيات واضحة ومحاسبة صريحة..
- تحصين مؤسسات الدولة من الصراع السياسي، فالأجهزة السيادية والخدمية يجب أن تبقى فوق التجاذبات، لا أن تكون أدوات في أيدي الأطراف المتنافسة بل والمتصارعة بما في ذلك القوة العسكرية..
- الانتقال التدريجي وليس الصدامي،
فالتغيير المتدرّج يقلل كلفة الانهيار ويحافظ على استمرارية الدولة ووظائفها..
- ترسيخ ثقافة الدولة لا ثقافه الغنيمة، فمسئولية النخب السياسية أن تنتقل من منطق اقتسام المكاسب إلى منطق تحمُّل الأعباء..
- التمييز بين الشرعية الشعبية والقدرة المؤسسية، فالشرعية الشعبيه وحدها لا تكفي، فمَنْ لا يملك أدوات الحكم لا يستطيع إدارة الدولة..
ولذا نخلص إلى أن أخطر المراحل في حياة الدول والشعوب ليست فقط مرحلة الاستبداد، بل أيضاً مراحل الفراغ حين يسقط النظام دون أن تجد الدولة مَنْ يحملها، وتتحول الآمال إلى أعباء والثورات إلى أزمات ممتدة، والتباين بين الأجنحة إلى صراعات دموية داخل المجتمع، فبناء الدولة هو الشرط الأول لأي تغيير سياسي ناجح، وما عداه مغامرة بمصير المجتمعات..
نسأل الله للجميع الهداية والتوفيق.
|