استطلاع/ بليغ الحطابي - إنها ذاكرة لا تشيخ ولا يمكن تجريفها أو تحريفها.. تلك هي ذاكرة سبتمبر الثورة.. فسبتمبر ليس مجرد يوم وطني، بل هو روح تتجدد في وجدان الشعب مع كل تَـحـَدٍّ.. وبالذات اليوم ونحن نواجه كماً هائلاً من التحدّيات داخلية وخارجية.. ما يُحتّم على الجميع الاصطفاف خلف مشروع الوطن الكبير الذي جاءت به ثورة السادس والعشرين من سبتمبر المجيد وقِيَمها ومبادئها التي مثَّلت خلاصة نضال تشكيلة الأحرار من مختلف ربوع الوطن وما زالت تمثّل تطلعات جيل الحاضر في الاستقلال وبناء الدولة ذات سيادة وكرامة وحرية وعدالة ومساواة..
وفي خضم التحدّيات التي تحيط بالوطن بات اليمني أكبر وأكثر إدراكاً بعَظَمة سبتمبر وما صنعه الأجداد، حيث يعود كل عام حاملاً معه أُمنيات نحو استعادة دولته..
نقطة الصفر.. والتحوُّل
منذ الأيام الأولى من هذا الشهر، بدأ اليمنيون الاحتفال بالذكرى الـ 63 لثورة 26 سبتمبر التي أنهت عقوداً من الظلم والاستبداد والتخلف والمرض والقهر بشتى أنواعه، عبر مواقع التواصل الاجتماعي كمتنفس إلكتروني وحيد.. عبر نشر صورهم على خلفية العَلم الجمهوري وشعارات تمجّد الثورة ومناضليها وسط حالة من الزخم اللامنقطع..
فيرى الملايين من اليمنيين في العديد من المحافظات -رصدتها "الميثاق"- أن ثورة 26 سبتمبر 1962م كانت نقطة تحوُّل تاريخية، وبها تمكَّـن اليمن من اقتلاع الحكم الإمامي والتخلص من الظلم والذل والجهل..
فسبتمبر حررت اليمن من عبودية الإمامة وقادت البلاد إلى رحاب الجمهورية والعصر الحديث.. ثورة هي أهم الأعياد الوطنية بالنسبة للسواد الأعظم من اليمنيين لأن لها علاقة بهويتهم كيمنيين جمهوريين ينتمون للثورة وقِيَمها ودولتها ومبادئها”..
ويؤكد الدكتور توفيق ذمران بقوله: لم تكن ثورة 26 سبتمبر الأم مجرد حَدَثٍ تاريخي، بل كانت نقطة تحوُّل كبرى في مسار اليمن الحديث..
ويوضح: "أهميتها بأنها تعني أن تكون المساواة معياراً للمواطَنة بين اليمنيين بعيداً عن الامتيازات والفوارق الطبقية.. إنها تعني حق الشعب في اختيار الحاكم"..
ويضيف الأكاديمي ذمران: "لذلك يُعتبر الـ 26 من سبتمبر يوماً وُلِـدت فيه الجمهورية، واستعاد فيه اليمنيون عِزتهم وكرامتهم وحريتهم، كان يوماً للخلاص من التخلف والفقر والجهل الذي مارسه الحكم الإمامي ضد أبناء الشعب طِيلة مدة حكمه، كما أنها كانت مفتاحاً للتقدم والازدهار في الجهود التي بُذلت لبناء الدولة ومحاولات تحقيق أهدافها الستة العظيمة”..
ويؤكد: ستبقى 26 سبتمبر هدفاً تهتدي به الأجيال اليمنية المتعاقبة لبلوغ آمالهم وتطلعاتهم..
تجديد الولاء..
بينما يرى الشيخ/ عبدالله عاصم -رئيس مؤتمر نهم محافظة صنعاء- أن الاحتفال بالعيد الوطني الـ63 لثورة 26 سبتمبر هو تجديد للعهد والولاء للوطن ولتضحيات الآباء والأجداد من مناضلي الثورة الأحرار الذين لم يتمكن الخوف من قلوبهم رغم جبروت الإمامة وطغيانها، ولم يبيعوا شعبهم ووطنهم مقابل حُفنة من المال، أو مقابل مكانة في السلطة، ولم يستكينوا ويحيطهم اليأس من تغيير الواقع المظلم حينذاك؛ بل كانوا شعلة لا تنطفئ من النضال الوطني حتى انتصرت ثورتهم الأم يوم 26 سبتمبر 1962 في الشمال، واتصلت نيرانها لتشعل ثورة 14 أكتوبر 1963م ضد الاستعمار في الجنوب، فكان مولد اليمن الجديد وانطلاقة شعب حُر نحو أهدافه الوطنية وسط جملة من المؤامرات من بقايا الإمامة، ناهيك عن المؤامرات الخارجية التي خلقت جملة من التناقضات التي أسهمت للأسف في تعطيل الطاقات الخلَّاقة المنتصرة لقِيَم الثورة والجمهورية والانتقال إلى بناء وطن مزدهر ترجمةً لأهداف الثورتين السبتمبرية والأكتوبرية الخالدتين”..
الملاذ الآمن..
في حين يؤكد عضو مجلس الشورى جمال فاضل الردفاني، أن ثورة 26 سبتمبر خالدة، ولا يمكن أن يمحوها أحد من قلوب اليمنيين..
ويضيف: فهي تحمل الخير لليمنيين، وكانت بوابة الأمل لتحقيق التطلعات التي تمثَّلت في أهدافها الستة العظيمة..
مبيّناً أن الثورة ما زالت حية في قلوب اليمنيين، وأن قِيَمها هي ملاذهم الآمن في ظل الظروف الراهنة..
التحوُّل الحقيقي..
ثورة 26 سبتمبر المجيدة لم تكن حدثاً مفصلياً في تاريخ اليمن فحسب، بل تحوّلاً جذرياً أعاد صياغة هوية الشعب وفتح أبواب الدولة الحديثة؛ لكونها تُعد المنجز الأعظم والإعلان الاول لفكرة الدولة رغم محاولات التقويض التي تعرَّضت لها كفكرة وجمهورية، ومحاولة صياغة الوجدان العام بطريقة مذهبية..
فبعد هذا اليوم وضع الأحرار حداً لتاريخ من الظلم والاستبداد..
وطِبقاً لمراقبين وباحثين سياسيين، إن الاحتفاء بالثورة بمثابة التزوُّد بالطاقة الملهمة لانطلاقة للبناء والتحديث والنهوض من جديد..
كتابة تاريخ الثورة
وفي سياق حديثه عن الذكرى الـ63 لثورة 26 سبتمبر الخالدة يؤكد الصحفي والمحلل السياسي طه العامري، أن 26 سبتمبر سيبقى حاضراً في وجدان الشعب وذاكرة الوطن بمعزل عن التحدّيات والعوائق، وستظل الثورة خالدة في الجغرافيا الوطنية وحاضرة في وعي ووجدان الأجيال المتعاقبة..
ويرى العامري ضرورة إعادة كتابة تاريخ الثورة للأجيال الحالية.. ماذا تعني لنا والوطن.. فلم تكن مجرد حدث عابر بل كانت ميلاد شعب ووطن وبداية حياة..
ولذلك فسبتمبر محفور في الذاكرة والوجدان والعقل الجمعي لليمنيين، وفي أنصع صفحات التاريخ..
الذاكرة الشعبية..
ويرى الصحفي والإعلامي محمد ياسين، أنها لا تزال تمثّل عُـمْقاً في الذاكرة ووجدان الشعب أكبر من أي مشروع آخر طارئ..
وعنواناً فاصلاً في عهد اتصف بالتخلف والرجعية.. هي ثورة وطن، ثورة كرامة، هي ميلاد أمة، وهي عنوان الحرية في مواجهة الظلم والذل والاستعلاء، وهي ثورة التعليم..
حُلم الجمهورية وحَّدهم
ونتيجة لحالة التيه والضياع في حالتنا والواقع السياسي الذي بلغ حد فقدان اليقين بإمكانية حلحلة التجمد الحاصل والمتمثّل بحالة اللاسلم واللاحرب، إلا أن هناك محاولات ظهرت في الاحتفالات على مواقع التواصل الاجتماعي وفي صنعاء وعدد من المحافظات وتزيين صفحاتهم بعَـلَم الجمهورية، وهي حالة استشعار خاصة تجاه 26 سبتمبر وللمبدأ الجمهوري المنظّم للدولة، ما يؤكد أن بوصلة الدولة لا تزال يمكن توجيهها نحو السلام والبناء واستعادة القرار السياسي وتوجيه الطاقات واستثمارها بما يخدم الوطن والمواطن..
ثورة الإنجازات.. لا لتغيير الحاكم
وهنا لا يغفل البعض أو يتغافل عما حققته الثورة على الصعد السياسية والاقتصادية والاجتماعية حين كان الوطن في عُزلة وفقر وجهل وظلم واستبداد..
ولننظر بعين الإنصاف إلى ما تم من إنجازات في كل المجالات ووفق الإمكانات المتاحة وتعقيدات المشهد، حينها فقط سنعرف قيمة ما حدث..
فبعدها عرفنا الطريق والمستشفى والمدرسة والحرية والكرامة، وصِرنا نتوق إلى الديمقراطية والعدالة والمساواة دون تمييز أو محاباة..
إذاً، فالثورة حققت إنجازات لا يمكن إنكارها أو القفز عليها، إنجازات للوطن والمجتمع والفرد بفعل التغيير الذي أحدثته سياسياً واقتصادياً واجتماعياً، ولذا حين يقول البعض بأنها “غيَّرت مجرى التاريخ اليمني في الشمال والجنوب، ذلك لأن الإنسان كان هدف الثورة وغايتها، فقد كان التعليم أهم أهداف الثورة المباشرة وغير المباشرة فلا قيمة لتغيير لا يكون الإنسان وسيلته وغايته”..
ولذا فـ "سبتمبر لم يكن مجرد انقلاب لتغيير الحاكم، بل ثورة مفاهيم وقِيَم سياسية واجتماعية واقتصادية، لم تكن ثورة فئة أو طبقة أو جهة بل كانت ثورة كل الناس من أجل كل الناس“..
إذاً، فتجربة الجمهورية هي المرجعية الوحيدة الصالحة للتمسُّك بها والبناء عليها ومواصلة تطويرها باستمرار باعتبارها الدرع الوحيد الموثوق لاسترداد الدولة اليمنية -وفق مايؤكده باحثون وسياسيون- وستكون مصدر الإجماع الوحيد في قادم الأيام.
|