الميثاق نت: - يُعد الاستثمار الآمن في أي بلد إحدى علامات قوة الدولة وحضورها عبر القوانين والتشريعات التي تسنها لحماية رأس المال والمستثمرين فيها، فهذه التشريعات محفّزة للمستثمرين التي تمكّن الدولة أيضاً من الاستفادة من خبراتهم ومواردهم وشبكاتها المتعددة، من أجل توسيع فرص الاستثمار والنهوض به وبناء علاقات أوسع.. وفي بلادنا نحن أحوج ما نكون لاستقطاب رؤوس الأموال..
صحيح أن اليمن يعيش وضعاً هشاً في بنية الاستثمار بفعل ما خلفته الحرب على البنية التحتية، بالطبع هذا لا يعني أن لا تبدأ الحكومة بتفعيل خططها وبرامجها في هذا الشأن ومحاربة الفساد ومراكز النفوذ التي تقف حائلاً دون إقامة بعض المشاريع التي يطلب هؤلاء من المستثمرين مشاركتهم فيها دون وجه حق سوى الكسب غير المشروع وتطفيش المستثمرين.. لا يمكن هنا إغفال دور القطاع الخاص الذي يلعب دوراً كبيراً في عملية التنمية وتوطين الصناعات واستثمار مزايا الموقع والثروات الموجودة في باطن الأرض، كذلك بلورة برامج مشترَكة تتطلب مساعدة مؤسسات دولية متخصصة، مثل مؤسسة التمويل الدولية في تمويل تلك المشاريع باختلافها.. إن تعزيز الشراكة بين القطاعين العام والخاص، ودعم الشركات اليمنية، من خلال الاستثمارات المباشرة، وتمويل الأسهم، والمساعدة الفنية، ومساعدتها على توسيع عملياتها، وتحسين القدرة التنافسية ينهض بهذه القطاعات ويمتص البطالة التي تعاني منها بلادنا بشكل لا يمكن تصوُّره.. ووفقاً لبيانات الجهاز المركزي اليمني للإحصاء، فإن 97 في المائة من القطاع الخاص يتكون من مشاريع متناهية الصغر، وصغيرة، ومتوسطة الحجم، توظّف مجتمعةً حوالي 73 في المائة من القوى العاملة اليمنية، كما كان القطاع الخاص في بلادنا يقدّم أكثر من 60 في المائة من خدمات الرعاية الصحية، ومسئولاً عن 100 في المائة من الإنتاج الزراعي الذي يوفر حوالي 20 - 25 في المائة من الاستهلاك الغذائي المحلي..
عراقيل كثيرة
لاندري إن كانت الجهات المعنية لديها استراتيجية وطنية للنهوض بالاستثمار أم لا، ولكن الواقع يدل على أننا ما زلنا دون المستوى المطلوب، ولا يخفى على أحد أن هناك من يعمل على إعاقة الاستثمار ووضع عراقيل كبيرة أمام رؤوس الأموال التي تحتاج إلى حماية من قِبَل الدولة، لكن واقع الحال يعكس جملةً من الممارسات في هذا الصعيد بوضع
حدٍّ للتعسُّفات التي تتعرض لها الاستثمارات والأنشطة الاقتصادية.. نحن نرى أن هناك فرضاً لواقع جديد طارد لرؤوس الأموال، وهذا للأسف ما هو مُشاهَد.. المحلل الإقتصادي نبيل الشرعبي قال لـ "الميثاق": أن هجرة وهروب رؤوس الأموال إلى الخارج أحد معوقات الاستثمار، ونزيف اقتصادي هائل، كما أن توقُّف عدد من المشروعات الأصغر الشخصية التي كان أصحابها يعوّلون عليها كمصدر رزق، ضاعف من معاناة الناس فهي تتعرض للجبايات والتعسفات بصورة متلاحقة..
استحواذ للأموال
هناك بعض الاستثمارات في الخارج ليمنيين حققوا نجاحات كبيرة.. ولو كانت هناك بيئة مستديمة وآمنة في اليمن واستقرت هذه الأموال في اليمن، دعك من الحديث عن استثمارات في مصر أو تركيا أو غيرها هي في الأساس توصيف دقيق في غالبيتها ليست استثمارات ولم تكن مشروعات واستثمارات باليمن وغادرت بل جاءت كنتيجة نفوذ أشخاص تفرَّدوا بأموال أو مساعدات وبهذه الأموال قاموا بشراء شقة أو افتتاح مطاعم أو كافيهات وأنشطة لم تلبث كثيراً إلا لأشهر وتوقفت.. وقال الشرعبي: إن ما تناولته وسائل الإعلام عن افتتاح رجال مال وأعمال يمنيين من مشاريع في بلدان مجاورة لم يكن على حساب إنهاء نشاطهم باليمن، بل يأتي ضمن توجُّه للتوسع في النشاط لأن أنشطتهم باليمن ما زالت قائمة وتمارس نشاطها كاملاً.. ويضرب الأستاذ الشرعبي مثالاً عن ذلك بالقول: مجموعة هائل خلال الأسابيع الأخيرة استحوذت على شركة مصرية وأخرى إماراتية، لم يكن على حساب إغلاق نشاطها باليمن، ومثلها الكبوس..
متغيرات عالمية
أن رأس المال اليمني في الغالب منه غير مؤهل تماماً للخروج أو الهروب للاستثمار في الخارج، لأن القائمين عليه غير قادرين على المنافسة المرتكزة على الابتكار والتطوير والمواكبة للمتغيرات العالمية التي تعتمد الابتكار كأهم عنصر للاستثمار وقبله رأس المال.. ومثال بسيط عبقري رياضيات ياباني، أسس شركة ذكاء اصطناعي بعشرات آلاف الدولارات وانطلق ليصبح شركة لها حضورها بالسوق العالمية، وجرَّاء ما تمثّله الشركة من أهمية للمستقبل قررت شركة مايكروسوفت شراء أسهم الشركة بقيمة 14 مليار دولار وهو ما يحكم السوق والاستثمار العالمي.. وأشار إلى أن رأس المال اليمني في الغالب غير قادر على الخروج من استيراد الشمة وحفاظات الأطفال- حَدَّ قوله !!
أموال مُهاجرة
لكن الأستاذ محمد الغرباني -اقتصادي- يرى أنَّ أهم المعوقات التي تقف أمام عدد من المستثمرين، هي عدم وجود أراضٍ مخصصة للمستثمرين ذات المساحات الواسعة؛ بسبب شراء أغلبية المغتربين في كندا وأمريكا أراضي كبيرة المساحة، البناء العمراني فيها عشوائي، أضف إلى ذلك ارتفاع أسعار الأراضي، حيث يصل سعر اللبنة الواحد إلى 150 مليون ريال يمني..
ويضيف الغرباني: أنَّه نتيجة الصراعات المستمرة داخل البلاد، قرر الكثير من رجال الأعمال في أنحاء البلاد نقل رؤوس أموالهم إلى خارج اليمن، واضطر بعضهم -من الذين قرروا البقاء- التضحية بنسب كبيرة من القوى العاملة.. مؤكداً أنَّ المؤشرات العالمية بما يخص اليمن توضح أنَّ البلد يواجه صعوبات في جذب الاستثمارات الأجنبية، وأيضاً صعوبات في إعادة رأس المال الوطني والشركات الأجنبية التي هربت خارج البلاد للبحث عن بيئة عمل أكثر أمناً من اليمن ،مشيراً إلى أنَّ المعوقات التي تُعد طاردة للاستثمار يجب معالجتها لإيجاد بيئة جاذبة للاستثمار، وتدفُّق رؤوس الأموال، وضمان تحقيق شامل للدفع بالتنمية الاقتصادية..
إرادة قوية
أن موقع اليمن المتميّز والذي يطل على أهم الممرات المائية في العالم، يجعلها ذات أهمية تجارية كبيرة من حيث سهولة التصدير والاستيراد وكذا الاستثمار الذي يُعد مصدر دخل يُدِرُّ على الاقتصاد المليارات وهو لم يُستغَل بعد، ناهيك عن أن اليمن يتميّز بوجود أيدٍ عاملة شابة وراغبة في العمل، بالإضافة إلى انخفاض تكلفة الأجور مقارنةً بدول الجوار، وهذا يُعد مِيزة كبيرة للمستثمرين في المجالات الإنتاجية أو الخدمية، كما يساعد على خفض التكاليف الإجمالية للمشاريع، يعلم الجميع أن اليمن بحاجة لإرادة سياسية قوية تستثمر الطاقات الهائلة فيه، وأن الحديث عن الاستثمار دون أن تكون أهدافك واضحة في هذا المجال هو عبث واستهلاك للوقت. |