الميثاق نت - تقرير / بليغ الحطابي - لاتزال الاجسام المتفجرة ومخلفات الحرب تمثل مصدر قلق وتهديد للمدنيين في جميع أنحاء البلاد، حتى بعد انتهاء النزاعات، وخاصة الأطفال، فهم أكثر عرضة للذخيرة والألغام الأرضية غير المنفجرة بسبب قلة وعيهم وفضولهم الشديد..مثلما هو الحال بمناطق ومحافظات يمنية دمرت الحرب البشر والحجر ِ
وفي العصر الحديث، من الآثار المدمرة للحروب الكبرى ترك عدد كبير من الأراضي الملوثة بالألغام، ما يتسبب في المزيد من الضحايا ويترك أضرارًا لفترة طويلة بعد انتهاء الصراعات .
وفي السنوات الأخيرة، كانت اليمن دولة شهدت واحدة من أكثر الإحصاءات المتعلقة بانفجار الألغام والقنابل غير المتفجرة التي خلفتها 9سنوات من عدوان التحالف العسكري بقيادة السعودية والامارات .
ضحايا
بعد تسع سنوات من الصراع الدموي، أدى تمديد اتفاقيات وقف إطلاق النار التي استمرت شهرين للمرة الثالثة إلى تقليل حدة النزاعات. ومع ذلك، استمرت الحوادث المتعلقة بالألغام الأرضية والذخائر غير المنفجرة، حيث قُتل خلال الفترة الماضية 49 مدنيا، من بينهم ثمانية أطفال على الأقل . وفي الأشهر الثلاثة التي سبقت وقف إطلاق النار، أدى انفجار ألغام وذخائر غير منفجرة إلى مقتل 56 مدنياً .
ومنذ أن بدأت السعودية وشركاؤها الدوليون عدوانهم على اليمن في مارس 2015، تظهر تقارير من منظمات دولية مختلفة أن المدنيين، بمن فيهم النساء والأطفال، كانوا الضحايا الرئيسيين للحرب، ووفقًا لتحليل جديد أجرته منظمة إنقاذ الطفولة، فإن الألغام والذخائر غير المنفجرة كانت المسؤولة عن مقتل أكثر من 75 ? من ضحايا الحرب من الأطفال .
وحسب تقرير منظمة أنقذوا الأطفال، فإن الألغام والذخائر غير المنفجرة كانت أكبر قاتلة للأطفال في اليمن منذ إعلان وقف إطلاق النار في أبريل الماضي، ما أسفر عن مقتل وإصابة أكثر من 42 طفلاً بين أبريل ونهاية يونيو الماضي. إن الزيادة في الوفيات الناجمة عن هذه الأسلحة هي نتيجة هجرة العائلات إلى مناطق لم تكن مأهولة من قبل بالحرب . وقد أدى الشعور بالأمن النسبي إلى زيادة تنقل المدنيين وخاصة النازحين في المناطق الموبوءة بالألغام .
خطر مستمر
لا تزال المخلفات المتفجرة تشكل تهديدًا مستمرًا للمدنيين في جميع أنحاء البلاد، حتى بعد انتهاء النزاعات، وخاصة الأطفال، فهم أكثر عرضة للذخيرة والألغام الأرضية غير المنفجرة بسبب قلة وعيهم وفضولهم الشديد، وفي هذا الصدد، قالت راما حنسراج، مديرة منظمة إنقاذ الطفل في اليمن: "على الرغم من أن النزاعات كانت أقل في الأشهر الماضية، إلا أن مخلفات المتفجرات تقتل المدنيين كل يوم وتشكل الألغام الأرضية والذخائر غير المنفجرة تهديدًا كبيرًا لجميع اليمنيين وخاصة الأطفال".
واضافت: "إن الأطفال فضوليون بطبيعتهم - يريدون استكشاف عالمهم والتعرف عليه. وعندما يرون شيئًا لامعًا أو مثيرًا للاهتمام، لا يسعهم إلا لمسه. ويلتقطون الشيء غير المألوف، معتقدين أنه لعبة، فقط ليجدوا أنه قنبلة عنقودية غير منفجرة وهذا هو سبب مقتل أو إصابة العديد من الأطفال جراء الانفجار ".
ومع اقتراب موسم الأمطار، يزداد الوضع سوءًا. حيث تسببت بداية الفيضانات والأنهار الموسمية في تدفق الألغام المدفونة في الأراضي الضحلة إلى مناطق آمنة. وفي الأسابيع القليلة الماضية، سمعنا العديد من التقارير عن قتل أو تشويه بالغين وأطفال أثناء قيامهم بمهام يومية مثل جلب المياه أو العمل في الحقول أو رعاية ماشيتهم . لا يوجد مكان آمن للأطفال في اليمن، حتى عندما هدأ النزاع نسبيًا وسوف يطاردهم الإرث المرير للحرب لسنوات قادمة .
وفي هذا الصدد، حذر محسن صديقي، مدير منظمة أوكسفام في اليمن، من الخطر المتزايد للألغام الأرضية على أرواح المدنيين وقال: "الألغام مروعة. إنهم لا يفرقون بين المدنيين والمقاتلين. يُقتل الأطفال أثناء رعاية حيواناتهم، وحتى جمع الحطب يمكن أن يكون مميتًا. أنا قلق بشكل خاص بشأن المواقع غير المسجلة التي تم تعدينها ".
القنابل العنقودية
منذ وقت ليس ببعيد، أعلن العميد "علي صفرة"، رئيس المركز التنفيذي لإزالة الألغام (YEMAC)، في أبريل من هذا العام أن التحالف بقيادة السعودية ألقى أكثر من 3 ملايين قنبلة عنقودية في اليمن منذ بداية الحرب. ومنذ مارس الماضي، قُتل 255 شخصًا، بينهم 84 طفلًا، بسبب انفجار ألغام وقنابل عنقودية في اليمن .
وأشار رئيس المركز التنفيذي لإزالة الألغام في اليمن إلى أن القنابل العنقودية التي أسقطتها الطائرات المعتدية منتشرة في مناطق مدنية، وقال: "هذه المشكلة زادت من عدد الضحايا ونحن نحمل الأمم المتحدة مسؤولية استمرار الخسائر الناجمة عن الألغام والقنابل العنقودية التي خلفها العدوان ".
كارثة
وتقول الامم المتحدة انه بعد أكثر من تسع سنوات من الحرب فى اليمن لا يزال البلد المنهك يعانى إنسانياً من عدة كوارث، .
وتضيف:تعد "الألغام"واحدة من أخطر الكوارث الإنسانية ، فهى لا تكتفى بحصد الأرواح، لكنها تخلف وراءها أطفالاً مبتوري الأطراف سواءً كلياً أو جزئياً، مما يوصم حياتهم بإعاقات دائمة شاهدة على جرائم تُرتكب بحق الإنسانية.
ما يزيد الأمر صعوبة هو تعنت او عدم وجود خرائط الخاصة بالألغام، او تقاعس الاطراف عن تسليمها وهو ما طالبت به الأمم المتحدة أكثر من مرة، للمساعدة فى عملية نزعها، أيضا يترتب على ذلك عدم وجود لوحات إرشادية لتحذير المارة بتلك الأماكن التى تحتوى أرضها ألغاما.
تحذير أممى
من جانبها أشارت بعثة الأمم المتحدة المكلفة بمراقبة تطبيق وقف إطلاق النار في مدينة الحديدة ، إلى أن عدد المدنيين من ضحايا انفجار الألغام الأرضية قد ارتفع بنسبة 160٪ مقارنة بما هو مسجل قبل سنة، بعد أن تم تسجيل 289 ضحية سنة 2022 مقابل 111 خلال السنة التي سبقتها .
وأعلنت البعثة الأممية في نهاية 2022 أن عدد ضحايا الألغام الأرضية بلغ 289 شخصا، من بينهم 112 طفلا و15 امرأة، بينما ذهب 105 أشخاص ضحية أعمال عدائية (قتالية)، وهو ما رفع عدد الضحايا المدنيين إلى 394 شخصاً.
وبحسب الأمم المتحدة فإن الأحداث وقعت على طول المناطق الساحلية الجنوبية لمدينة الحديدة، وإن أغلب الحوادث كانت مرتبطة بالأنشطة الزراعية، عندما يدخل الفلاحون إلى أراضيهم الزراعية أو عندما يجلبون الأغنام للرعي.
إضافة إلى ذلك، كانت هناك زيادة كبيرة لعدد الزائرين في المنطقة خلال العطل وأشهر الشتاء، للتمتع بجو الساحل والابتعاد عن مناخ الجبال البارد، دون أن يكون لهم علم بالمناطق الخطيرة، وهو ما يفسر العدد الكبير للحوادث المسجلة.
تاريخ الألغام فى اليمن
وعانى اليمن من ظاهرة زراعة الألغام منذ تفجر الصراعات السياسية والعسكرية في ستينيات القرن الماضي مروراً بحروب المناطق الوسطى وأحداث 1994 وما بعدها .
وفي مطلع القرن الحالي، كان اليمن أول بلد عربي ينهي عملية تحطيم مخزونه من الألغام المضادة للأفراد .
وأكد المركز الوطني لمكافحة الألغام ، أن اليمن بموجب توقيعه على معاهدة" أوتاوا" لنزع الألغام، التي تنص على تحريم زرع وصنع واستيراد الألغام، فقد دمر مخزونه من الألغام بحلول 2007م، وبهذا كان اليمن قريبا من إعلانه خالياً من الألغام، إلا أن الحرب الاخيرة المتمثلة في عدوان التحالف وانتشار مخلفاتها نتيجة فساد الذخائر المستخدمة لضرب اهداف مدنية في مختلف المحافظات أعادت بلادنا الى الواجهة ..
وازدادت ظاهرة زراعة الألغام و انتشار مخلفات الحرب العدوانية وكانت الاجسام غير المتفجرة عدوا مختبئا لكثير من المدنيين وبالذات الاطفال .
عدم وجود خرائط
واحد من الامور السوداوية بحسب منظمات انه لا توجد خرائط واضحة عن مناطق زراعتها ما يجعل محاولة نزعها في المستقبل أمرا في غاية الصعوبة.. يعد اليمن، الآن، من أكثر الدول التي تنتشر فيها زراعة الألغام- المحظورة عالمياً.
ويعزز ذلك القول ماتطرق اليه الدكتور عادل دشيله .
ويتطرق الباحث عادل دشيله الى جملة من التحديات التي تواجه عملية تطهير اليمن من الألغام منها: عدم وجود خرائط واضحة، ونوعية الألغام التي تم زراعتها، وعدم وجود كوادر محلية مؤهلة للتعامل مع هذه الألغام كي يتم نزعها في فترة زمنية قصيرة. ضمن التحديات التقنية، عدم توفر أجهزة حديثة لدى الحكومة للكشف عن هذه العبوات والمتفجرات . كما أن جرف السيول لبعض الألغام من منطقة لأخرى يعقّد التحقق من الأماكن التي تنتشر فيها .
من هذا المنطلق يتوجب الالتزام باتفاقية حظر واستعمال الألغام وخاصة الماده الرابعه التي تنص على إزالة المتفجرات من مخلفات الحرب أو التخلص منها أو تدميرها. والتي تلزم كل طرف من الأطراف المنخرطة في الصراع أن يكون مسؤولا عن الأراضي التي تقع تحت سيطرته. وبالتالي، يجب تقديم خرائط زرع الألغام. ويضيف دشيله يتوجب أيضًا فور الانتهاء من الحرب القيام بتوعية شاملة عن مخاطر الألغام من خلال تزويد سكان المناطق المتضررة من هذه المتفجرات بالمعلومات الضرورية وتوعيتهم بمخاطرها.
للأسف، الجهود المحلية والإقليمية والدولية في الوقت الراهن غير كافية للتخلص من الألغام خلال فترة وجيزة. بالنسبة لجهود الحكومة اليمنية فهي ضعيفة بسبب هشاشة مؤسساتها. ولذا، فإن التنسيق المشترك بين الدولة اليمنية والجهات الإقليمية والدولية المانحة في هذا المجال، لتعيين جهة واحدة مسؤولة عن كشف المناطق التي تم تطهيرها وتلك التي لاتزال تواجه خطر الألغام، سيكون له نتائج أكثر فاعلية .
ختاماً، ستبقى الألغام خطرا يهدد حياة اليمنيين في مرحلة ما بعد الحرب، ما يتطلب تدخلا دوليا واقليميا عاجلا لمناقشة خرائط الألغام في مناطق الاشتباك ومناطق ومحافظات البلاد . |