موقع المؤتمر نت



موقع مايو نيوز



موقع معهد الميثاق


الوهباني: المؤتمريون سيظلون في مقدمة المدافعين عن الوحدة - مجيديع: التآمر الخارجي ضد الوحدة جاء بسبب ما حققه هذا المنجز من تحول لليمن واليمنيين - الشريف: الوحدة تتعرض لمخططات تآمرية من قوى إقليمية ودولية معادية لليمن - أمين عام المؤتمر: الشعب اليمني سيُحبِط المؤامرات على وحدته وسينتصر لها - الخطري تهنئ رئيس وقيادات المؤتمر بعيد الوحدة - رئيس المؤتمر يعزي بوفاة المناضل قاسم الوزير ويشيد بمناقبه - لبوزة يهنئ رئيس المؤتمر بالعيد الوطني الـ34 للوحدة اليمنية - الشيخ/ يحيى الراعي لـ"الميثاق":المؤتمر وكل القوى الخيّرة سيواجهون محاولات تقسيم اليمن - الوحدة..طريق العبور الآمن إلى يمن حُر ومستقر - الأمين العام : كل مشاريع التمزيق ورهانات الانفضال ستفشل -
مقالات
الميثاق نت -

الخميس, 08-ديسمبر-2022
‮ ‬محمد‮ ‬عايش -
بعد دقائق من زيارتي إلى منزله في شارع دجلة بالمهندسين في القاهرة ،وتسليمه كيساً صغيراً من قهوة "البن" اليمنية الشهيرة ، ورسالةً من صديقه "عبدالعزيز المقالح" إستوقفني الشاعر المصري الراحل "صلاح عبدالصبور" بعبارة "إستنى شوية يا ابني" ذهب بعدها صلاح لإعداد فنجانين‮ ‬صغيرين‮ ‬من‮ ‬القهوة‮ ‬،‮ ‬فأعطاني‮ ‬بذلك‮ ‬فرصة‮ ‬لاختلاس‮ ‬نظرة‮ ‬إلى‮ ‬جملة‮ ‬صغيرة‮ ‬في‮ ‬رسالة‮ ‬المقالح‮ ‬إليه‮ : " ‬أرسل‮ ‬إليك‮ ‬هذا‮ ‬بمعيّة‮ ‬أحد‮ ‬أذكى‮ ‬التلاميذ‮ ‬وأنجبهم‮" ‬ولحظتها‮ ‬أدركت‮ ‬لماذا‮ ‬استوقفني‮ ‬الرجل‮.‬
عاد صلاح الذي كان يتعافى من بعض التوعك ، وبعده جاءت بالقهوة زوجته الفاضلة "سميحة غالب" وأفصحت لي عن سعادة صلاح بلقاء أحد خلصاء صديقه عبدالعزيز ، قالت لي لحظة ذاك إنني أجلس على ذات الكرسي الذي كان يجلس عليه عبد العزيز لسنوات مع صلاح ومعهما الكثير من "رواد"‮ ‬الحداثة‮ ‬الشعرية‮ ‬العربية‮ ‬،‮ ‬حينها‮ ‬أخذت‮ ‬أعي‮ ‬أكثر‮ ‬مما‮ ‬كنت‮ ‬قد‮ ‬عرفته‮ ‬عن‮ ‬عبدالعزيز‮. ‬
ومن وفاء الزوجين الجليلين ، صلاح وسميحة مما قد لا يعرفه عبدالعزيز أنهما أطلقا على ذلك المقعد في ركن منزلهما إسم "كرسي المقالح" أو "الكرسي بتاع عبدالعزيز" كأنما لم يكن بوسعهما تخيل أن عبدالعزيز غادر البلاد نهائياً بعد أن قرر الرئيس المصري االراحل أنور السادات‮ ‬إبعاده‮ ‬من‮ ‬مصر‮ ‬على‮ ‬خلفية‮ ‬موقفه‮ ‬المعارض‮ ‬لزيارته‮ ‬للقدس،‮ ‬وتوقيعه‮ ‬لاحقاً‮ ‬على‮ ‬معاهدة‮ ‬كامب‮ ‬ديفيد‮ ‬عام‮ ‬1978م‮..‬
ظل ذلك الكرسي محتفظاً برائحة المقالح ، وكان الجلوس عليه أشبه بتكريم من قبل صلاح لزواره ، لكنني كنت لا أريد العودة للجلوس عليه كلما دعاني صلاح إلى ذلك بعيداً عن مكتبه في مؤسسة "روز اليوسف" ذلك لسبب واحد وهو أنني كنت أريد الخلاص من تصور كهذا لدى عبدالصبور عن‮ ‬علاقتي‮ ‬بالمقالح‮ ‬،‮ ‬فأنا‮ ‬في‮ ‬النهاية‮ ‬واحدٌ‮ ‬من‮ ‬آلاف‮ ‬من‮ ‬تتلمذوا‮ ‬على‮ ‬يديه‮ ‬،‮ ‬ولست‮ ‬إبنه‮ ‬أو‮ ‬جاهزاً‮ ‬للرد‮ ‬على‮ ‬كل‮ ‬أسئلة‮ ‬عبدالصبور‮ ‬عنه‮.‬
لقد كنت في ذلك الوقت من حياتي ، وفي حضرة شعراء كبار من أمثال عبدالصبور بحاجة لأن أذهب إلى ذاتي ، إلى أنور العنسي ، متخففاً من ظل المقالح على صورتي لدى أصدقائه الشعراء ،الأدباء ، والكتاب ، الكثر ، الكبار في مصر ، لكنني فشلت في هذا المسعى لفترة من الزمن ، وظلت‮ ‬صورته‮ ‬وصوته‮ ‬مطبوعين‮ ‬على‮ ‬ملامحي‮ ‬،‮ ‬وفي‮ ‬نبرة‮ ‬صوتي‮ ‬،‮ ‬وطريقتي‮ ‬في‮ ‬الحديث‮ ‬،‮ ‬كما‮ ‬سمعت‮ ‬هذا‮ ‬لاحقا‮ ‬من‮ ‬صديقه‮ ‬الشاعر‮ ‬المصري‮ ‬الراحل‮ ‬فاروق‮ ‬شوشة‮ ‬في‮ ‬حديث‮ ‬بينهما‮ ‬في‮ ‬صنعاء‮. ‬
غير أن العلاقة مع الرجل ظلت شائكة ، فعبدالعزيز الجميل ، الأنيق ، القوي ، المتمكن ، علماً وجمالاً وأستاذية في النقد وعلوم الأدب الذي تقرؤه في كتبه ودراساته وأبحاثه كان لا يبدو أحياناً أنه هو عبدالعزيز نفسه الذي تخالطه في حياته اليومية وتجلس معه ، شأنه في ذلك‮ ‬شأن‮ ‬عشرات‮ ‬من‮ ‬المبدعين‮ ‬الكبار‮.‬
قد تغضبه هذه الملاحظة لكن الحقيقة أنه كان كذلك ، عملاقاً في فكره وعطائه وإنتاجه ، لكنه كان لسبب لا أفهمه غير ذلك في تعامله مع من حوله خصوصاً عندما كان بإرادة منه أو بدونها يحيط نفسه بأناس ما كان يجب أن يكون لهم في مكانه مكان.
لكن‮ ‬المشكلة‮ ‬أن‮ ‬الرجل‮ ‬أسرني‮ ‬بمنهجه‮ ‬في‮ ‬التفكير‮ ‬والعمل‮ ‬إلى‮ ‬حدٍ‮ ‬أخذ‮ ‬من‮ ‬تلميذه‮ "‬النجيب‮" ‬سنواتٍ‮ ‬،‮ ‬بل‮ ‬عقوداً‮ ‬للفكاك‮ ‬منه‮. ‬
كاد اللقاء اليومي معه أن يصبح نوعاً من البروتين الثقافي الذي يلزم عليك أن يتغذى عليه عقلك كل يوم ، فالصحف والمجلات والإصدارات الثقافية العربية الجديدة لا يمكنك أن تراها إلا في مجلسه ، بل المقالح نفسه لايمكنك أن تراه جيدَاَ إلا في مجلسه ، لكن التخلي عن هذا المجلس اليومي كان لا يصيبك بالوجع فقط بل بالشعور بالتراجع والجهل بمستجدات المشهد الثقافي حول العالم ، والاحساس بالسباحة خارج الجاذبية ، فمجلس الرجل عامر في الأغلب بمثقفين يمنيين وعرب وأجانب أحياناً لايمكنك تفويت فرصة اللقاء بهم.
عدت إلى صلاح عبدالصبور بعد حين من الدهر قبل وفاته لأفهم منه تلكم التعقيدات في العلاقة مع المقالح ، تحدثنا في أمور "الحداثة" وهمومها ، وفي كل مرة معه أو مع عبدالعزيز لم أكد أعرف من هو صلاح ومن هو المقالح ، فقد كانا يشبهان بعضهما عقلاً وشكلاً إلى حد يتعذر تصوره‮.‬
لم‮ ‬تكن‮ ‬تلك‮ ‬مجرد‮ ‬علاقة‮ ‬شخصية‮ ‬فحسب‮ ‬،‮ ‬بل‮ ‬صداقة‮ ‬مشروع‮ ‬،‮ ‬رفقة‮ ‬همِّ‮ ‬اشتغلا‮ ‬عليه‮ ‬معا‮ ‬،‮ ‬وأمضيا‮ ‬عشرات‮ ‬الساعات‮ ‬والأيام‮ ‬للبحث‮ ‬والنقاش‮ ‬حوله‮ ‬مع‮ ‬غيرهما‮ ‬ممن‮ ‬شاركاهما‮ ‬ذلك‮ ‬في‮ ‬ركن‮ ‬منزل‮ ‬صلاح‮.‬
من المؤكد انهما أحدثا فتحاً مهماً في تاريخ الحداثة الشعرية ، مع الاحترام التام لما مثلته الحالات الفردية السابقة لبدر شاكر السياب وعبدالوهاب البياتي ، وسعدي يوسف وغيرهم ، وتالياً لنزار قباني وأدونيس وسواهما.
تأكد لي أن المقالح وصلاح فًعلا ذلك بشكل منظمِ ، ممنهج ، ومدروس، ففي سنوات لاحقة تعرفت إلى ضلعهما الثالث "أحمد عبدالمعطي حجازي" الذي كان مقيماً حينذاك في باريس لأسباب قد تكون خاصة بحاجته إلى حرية البحث والسؤال، تحدثنا طويلًا ، أجريت معه أكثر من حوار تليفزيوني‮ ‬عميق‮ ‬وطويل‮. ‬لكنني‮ ‬أدركت‮ ‬أن‮ ‬منهج‮ ‬حجازي‮ ‬هونفسه‮ ‬نهج‮ ‬المقالح‮ ‬وعبدالصبور‮ ‬أيضاَ‮ ‬مع‮ ‬بعض‮ ‬الاختلافات‮ ‬الطفيفة‮.‬
في‮ ‬لقاءاتي‮ ‬الأخرى‮ ‬المنفردة‮ ‬مع‮ ‬الثلاثة‮ ‬في‮ ‬كل‮ ‬من‮ ‬القاهرة‮ ‬وصنعاء‮ ‬وباريس‮ ‬وجدت‮ ‬صعوبات‮ ‬بالغة‮ ‬في‮ ‬فصل‮ ‬كل‮ ‬منهما‮ ‬عن‮ ‬سواه‮.‬
لم أشأ أن أذهب إلى مقارنات بين ظروف الولادة والنشأة والتعليم لأفهم "سر" هذا التوافق أو لمعرفة من كان الأكثر تأثيراً في الآخر ،لكن خلاصة ما خلصت إليه أن الكل كان صاحب تأثير على الآخر بدرجة لا يمكن عدم إدراكها.
أما‮ ‬لماذا‮ ‬كنت‮ ‬مهمومًا‮ ‬بتفسير‮ ‬هذه‮ ‬القصة‮ ‬فلأن‮ ‬عبدالعزيز‮ ‬قاد‮ ‬في‮ ‬حياتنا‮ ‬في‮ ‬ذلك‮ ‬الوقت‮ ‬طوفاناً‮ ‬من‮ ‬التغيير‮ ‬على‮ ‬أكثر‮ ‬من‮ ‬مستوى‮ ‬،‮ ‬من‮ ‬التعليم‮ ‬إلى‮ ‬الشعر‮ ‬،‮ ‬والثقافة‮ ‬عموماً‮.‬
لم‮ ‬يكن‮ ‬لنا‮ ‬في‮ ‬تلكم‮ ‬الأيام‮ ‬بحرٌ‮ ‬،‮ ‬لكن‮ ‬عبدالعزيز‮ ‬كان‮ ‬محيطنا‮ ‬،‮ ‬بحرنا،‮ ‬نِيلنا‮ ‬،‮ ‬دجلتنا‮ ‬والفرات‮.‬
ربما تساءل البعض عن سبب عدم منح المقالح جائزة "نوبل" للآداب قياساً على عطائه الغزير والوافر المتنوع لأكثر من نصف قرن ، وَلَكِن أكاد أتساءل ، ما هي "نوبل" أساساً؟ هذه الجائزة لن تزيد من قدره، بل إنه هو نفسه "جائزة كبرى" للحياة ، للثقافة الإنسانية بمختلف فروعها‮.‬
لم‮ ‬يفلح‮ ‬عبدالعزيز‮ ‬في‮ ‬وضع‮ ‬أغلب‮ ‬من‮ ‬يثق‮ ‬بهم‮ ‬في‮ ‬مفاصل‮ ‬النظام‮ ‬السياسي‮..‬

أضف تعليقاً على هذا الخبر
ارسل هذا الخبر
تعليق
إرسل الخبر
إطبع الخبر
معجب بهذا الخبر
انشر في فيسبوك
انشر في تويتر
المزيد من "مقالات"

عناوين أخرى

الافتتاحية
المستقبل للوحدة
بقلم / صادق بن امين أبو راس- رئيس المؤتمر الشعبي العام

حوارات
جريمة الرئاسة
مقالات
الوحدة اليمنية بين  التحدي والمأمول
د. عبدالعزيز محمد الشعيبي

عِزَّة اليمن بوحدته واستقراره
هايدي مهدي*

في ذكرى 22 مايو
د. أبو بكر القربي

مقاربة الوحدة وواحدية الثورة اليمنية ووحدة المصير المُشترَك
أ.د. أحمد مطهر عقبات*

34 عاماً من عمر الوحدة.. ثرثرات من قلب الحدث
يحيى العراسي

إلى قادة الأطراف الأربعة
يحيى حسين العرشي*

مُتلاحمون مهما كان
علي حسن شعثان*

الوحدة اليمنية رهان لا يعرف الخسارة
د. طه حسين الهمداني

الوحدة.. المُفترَى عليها..!!
د. عبدالوهاب الروحاني

الوحدة اليمنية قدر ومصير
عبدالسلام الدباء

حلم شعب
د. محمد عبدالجبار المعلمي

جميع حقوق النشر محفوظة 2006-2024 لـ(الميثاق نت)